عسكري

    لماذا تعتقد إيران أن إسرائيل ستهاجم مجدداً قبل انتخابات الكنيست في أكتوبر القادم؟

    تريتا بارسي
    تريتا بارسي
    الإثنين 6 يوليو 2026
    لماذا تعتقد إيران أن إسرائيل ستهاجم مجدداً قبل انتخابات الكنيست في أكتوبر القادم؟

    خلال الأسبوع الماضي، تبلور داخل دوائر الأمن القومي الإيرانية إجماع على أن إسرائيل تستعد لإعادة إشعال الحرب مع إيران قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر.

    ويستند هذا التقدير إلى عدة عوامل. فإلى جانب الشكوك العميقة التي ترى طهران أنها ليست بلا أساس تجاه نوايا الرئيس الأمريكي ترامب، والتي تعززت بعد تصريح نائب الرئيس جيه دي فانس بأن ترامب يريد استخدام مذكرة التفاهم لإعادة ملء الاحتياطيات النفطية العالمية ثم سيرى كيف ستسير الأمور، يبرز تطوران رئيسيان: الاتفاق الإسرائيلي اللبناني الأخير، وتأثيره في الوضع العسكري لحزب الله خلال الأشهر المقبلة.

    ومن وجهة نظر طهران، يمنح الاتفاق إسرائيل أفضلية كبيرة في أي حرب متجددة مع إيران، وهي ميزة لم تكن متوافرة لها في فبراير الماضي. فالسماح للقوات الإسرائيلية بالبقاء في أجزاء من جنوب لبنان يُنظر إليه على أنه يخالف مذكرة التفاهم، ويعيد في الوقت ذاته تشكيل ميزان القوى العسكري بصورة جوهرية.

    واستمرار الوجود الإسرائيلي في هذه المواقع الاستراتيجية سيجعل من الصعب على حزب الله تنفيذ العمليات الهجومية التي كانت، بحسب التقييم الإيراني، حاسمة خلال الجولة السابقة من القتال.

    وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن الإيرانيين يؤكدون أنهم استخدموا خلال شهري فبراير ومارس نحو 40% فقط من قدراتهم الهجومية ضد إسرائيل، بينما تحمل حزب الله الجزء الأكبر من العبء العسكري المتبقي. وفي ذلك الوقت، كان كثير من المحللين الغربيين يتساءلون عن سبب توجيه طهران ضربات أشد إلى الإمارات مقارنة بإسرائيل.

    ويعزو الإيرانيون ذلك جزئيًا إلى أن قدرة إسرائيل على تحمل الخسائر أعلى بكثير من دول الخليج، إذ كانت طهران تسعى إلى بلوغ الحد الأدنى من الضغط الذي يدفع الولايات المتحدة إلى إنهاء الحرب. لكن السبب الآخر، والأكثر أهمية، كان الدور المحوري الذي لعبه حزب الله في الحرب، خلافًا لما عكسته معظم التغطيات الإعلامية آنذاك. فقد أسهم الحزب في تشتيت الدفاعات الإسرائيلية، وتعقيد قرارات الاستهداف، وإجبار إسرائيل على توزيع قواتها ومواردها على عدة جبهات في آن واحد.

    إلا أن هذا الدور لم يحظ بفهم كافٍ، لأن إسرائيل فرضت خلال الحرب رقابة عسكرية شبه كاملة، كانت أشد بكثير من تلك التي فرضتها في يونيو 2025، ما حدّ من ظهور عمليات حزب الله وتأثيرها للرأي العام. ونتيجة لذلك، جرى التقليل بصورة كبيرة من حجم مساهمة الحزب في مسار الحرب.

    وعلى خلاف مذكرة التفاهم، فإن الاتفاق الإسرائيلي اللبناني الجديد لا يُلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية إلا بعد نزع سلاح حزب الله. وبما أن تحقيق هذا الشرط يبدو مستبعدًا في المستقبل المنظور، فإن إسرائيل ستتمكن من الاحتفاظ بمواقعها داخل لبنان، الأمر الذي يتيح لها استئناف الحرب مع إيران دون مواجهة الضغوط نفسها التي فرضتها عليها الجبهة الشمالية خلال الحرب السابقة.

    ويرى الإيرانيون أن دوافع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو واضحة. فإلى جانب رغبته القديمة في توظيف القوة الأمريكية لإخضاع إيران وترسيخ ميزان قوى إقليمي يخدم إسرائيل، فإنه يواجه أيضًا دوافع سياسية وشخصية ملحة تدفعه نحو استئناف الحرب.

    فقد كلفت مذكرة التفاهم نتنياهو ثمنًا سياسيًا باهظًا، وأصبحت فرصه في الفوز بانتخابات أكتوبر أضعف مما كانت عليه منذ أشهر. وبعدما كان يُنظر إليه باعتباره الزعيم الإسرائيلي القادر وحده على ضمان دعم ترامب، بات يواجه احتمال أن تنتهي الحرب وما أعقبها من مسار دبلوماسي إلى إضعاف الموقع الاستراتيجي لإسرائيل، بما يقوض الأساس الذي بنى عليه حجته للاستمرار في الحكم. وفوق ذلك، إذا خسر الانتخابات، فمن المرجح أن يقضي السنوات التالية في السجن، بعدما يفقد الحصانة التي يتمتع بها بصفته رئيسًا للوزراء، ويواجه المحاكمة في قضايا الفساد المرفوعة ضده.

    ولا تزال طهران غير متأكدة مما إذا كانت إدارة ترامب تنسق مع إسرائيل بشأن هذه الاستراتيجية، لكنها تنظر بقدر كبير من الريبة إلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، نظرًا لدوره في التوصل إلى الاتفاق الإسرائيلي اللبناني، ودعمه للحرب، ومعارضته المتصورة لمذكرة التفاهم.

    ومن منظور طهران، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة. الأول أن يكون البيت الأبيض على علم بخطط إسرائيل، وأن يكون قد ساهم في إبرام الاتفاق اللبناني لتسهيل تنفيذها. والثاني أن تكون واشنطن غير مدركة لنوايا نتنياهو، لكنها ستسارع إلى الدفاع عن إسرائيل، وربما تشارك في الهجوم، بمجرد استئناف الحرب. أما السيناريو الثالث، فيفترض أن تُفاجأ الإدارة الأمريكية بالتصعيد، وألا تسعى إلى كبح إسرائيل، لكنها تمتنع في الوقت نفسه عن الانخراط العسكري المباشر في الصراع.

    ورغم ذلك، لا تعتقد طهران أن التفوق الإسرائيلي في لبنان سيكون عاملًا حاسمًا. فالمسؤولون الإيرانيون ما زالوا واثقين من قدرتهم على إلحاق خسائر جسيمة بإسرائيل، وإفشال أهدافها الاستراتيجية الأوسع. غير أن حربًا جديدة قد تحقق الهدف الأكثر إلحاحًا بالنسبة لنتنياهو، وهو إسقاط مذكرة التفاهم. وفي ظل الضغوط السياسية والقضائية المتزايدة التي يواجهها، قد يصبح مستعدًا لمواجهة ترامب نفسه من أجل ضمان هذه النتيجة.

    وفي نهاية المطاف، فإن السؤال المطروح من وجهة نظر طهران ليس كيف سيكون رد فعل ترامب، بل ما إذا كان سيتمكن من منع نتنياهو من فرض وقائع جديدة تحد من خياراته وتوجهها. وهو اختبار ترى إيران أن ترامب أخفق فيه مرارًا.

    تريتا بارسي

    تريتا بارسي

    باحث إيراني، مؤسس المجلس الوطني الإيراني الأمريكي

    0
    العلامات:
    ترجمات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *