كثّفت الإمارات خلال الأشهر الماضية نشر المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية المصممة للتصدي للطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز "شاهد-136". وقد خضعت عدة أنظمة أوكرانية للاختبار والتسليم بكميات كبيرة إلى دول الخليج، وفي مقدمتها منظومة P1-SUN التي تنتجها شركة سكاي فول الأوكرانية. إلا أن دمج هذه المسيّرات داخل منظومة الدفاع الجوي الإماراتية لا يزال يواجه عقبات كبيرة. فإمكانات الكشف عن الأهداف منخفضة الارتفاع لم تُدمج بعد بصورة كافية في الشبكات الدفاعية، الأمر الذي يدفع بعض المشغلين إلى انتظار التأكد البصري من الهدف قبل إطلاق المسيّرات الاعتراضية.
ويزيد غياب أدوات التنسيق المتقدمة ومنظومات دمج البيانات والتحكم والسيطرة (C2) من تعقيد المهمة، إذ يضطر المشغلون المنتشرون حول المناطق الحضرية الكبرى إلى إطلاق المسيّرات الاعتراضية بصورة متزامنة ومن دون آليات فعالة لتحديد الأولويات أو تنسيق عمليات الاشتباك مركزياً، ما يؤدي إلى استهلاك أعداد كبيرة من هذه المسيّرات مرتفعة القيمة.
بنية دفاعية غير مكتملة
في أوكرانيا، تعمل المسيّرات الاعتراضية ضمن شبكة دفاعية أكثر كثافة وتعقيداً، تجمع بين رادارات منخفضة الارتفاع ومستشعرات صوتية وأنظمة حرب إلكترونية سلبية ومنصات دمج بيانات قادرة على إعادة توزيع مسارات الطيران بصورة آنية.
لكن هذه الطبقة التنسيقية الحيوية لا تزال في مراحلها الأولى داخل دول الخليج. وتؤكد شركات أوروبية عاملة في المنطقة أن العديد من أنظمة الكشف الحالية غير مصممة للتعامل بكفاءة مع الأهداف البطيئة والمنخفضة الارتفاع. ويزيد المقطع الراداري المنخفض لطائرة "شاهد-136" من صعوبة اكتشافها، فيما تجعل سرعتها المحدودة وتحليقها المنخفض عملية تمييزها وسط الحركة الجوية المدنية والعسكرية أكثر تعقيداً.
تحديات الرادارات المضادة للمسيّرات
تعتمد الإمارات على رادارات Ground Master 200 وGround Master 400 التي تنتجها شركة تاليس الفرنسية والموجودة في قاعدة الظفرة الجوية، وهي جزء من منظومة المراقبة الجوية الإماراتية. إلا أن هذه الرادارات صُممت أساساً لمهام الدفاع الجوي التقليدي، ولذلك فإن فعاليتها أقل في تعقب المسيّرات الصغيرة ذات البصمة الرادارية المنخفضة التي تحلق على ارتفاعات شديدة الانخفاض. كما تستخدم الإمارات رادارات AN/MPQ-65 التابعة لمنظومات باتريوت PAC-3، ورادارات AN/TPY-2 الخاصة بمنظومة ثاد الأمريكية، وهي أنظمة طُورت أساساً للتعامل مع الصواريخ الباليستية والأهداف السريعة والعالية الارتفاع. وتشير المعلومات أيضاً إلى استمرار تشغيل منظومات بانتسير-S1 الروسية في بعض المواقع، بما في ذلك رادارات التحكم بالنيران 1RS2-1E ورادارات المراقبة 1RL123-E.
وفي محاولة لتعزيز التغطية على الارتفاعات المنخفضة، أُرسلت خلال الفترة الماضية أنظمة إضافية من فرنسا، من بينها رادارات Giraffe AMB التي تنتجها شركة ساب السويدية وتستخدمها القوات الجوية والفضائية الفرنسية.
معضلة إدارة المجال الجوي
لكن مصادر متعددة في المنطقة تؤكد أن هذه الأنظمة لا تزال غير كافية للتعامل مع المسيّرات الإيرانية منخفضة الارتفاع في بيئة جوية مزدحمة. فالإمارات لا تمتلك حتى الآن البنية الدفاعية متعددة المستشعرات التي طورتها أوكرانيا خلال سنوات الحرب.
وتبرز مشكلة أخرى تتمثل في إدارة المجال الجوي المنخفض الارتفاع. فعلى خلاف الجبهة الأوكرانية التي تخضع فيها الممرات الجوية التكتيكية لرقابة صارمة، يشهد المجال الجوي الإماراتي ازدحاماً مستمراً نتيجة حركة الطيران المدني والمروحيات العاملة حول المنشآت النفطية البحرية والطائرات التجارية المسيّرة والأنشطة العسكرية الغربية. وفي مثل هذه البيئة، تصبح عملية التمييز السريع بين التهديد الحقيقي والأهداف الأخرى أكثر صعوبة، ما يؤدي إلى إبطاء إجراءات الاشتباك وزيادة احتمالات استهداف الهدف نفسه أكثر من مرة.
الاستفادة من الخبرة الأوكرانية
إلى جانب شراء المعدات، تسعى أبوظبي إلى الاستفادة من الخبرة الأوكرانية المتراكمة في مواجهة المسيّرات الإيرانية التي تستخدمها روسيا منذ عام 2023. ولهذا الغرض، تبحث السلطات الإماراتية بصورة نشطة عن متعاقدين وخبراء عسكريين لتدريب وحداتها على أحدث تكتيكات الحرب بالطائرات المسيّرة.
وتجري حالياً مناقشات مع جهات تضم محاربين أوكرانيين سابقين أو مقاتلين أجانب خدموا في وحدات متخصصة داخل أوكرانيا. ويتركز الطلب بصورة خاصة على مدربي طياري المسيّرات الاعتراضية، إضافة إلى مهندسي القتال المتخصصين في دمج أنظمة مكافحة المسيّرات، وإدارة العمليات منخفضة الارتفاع، والحرب الإلكترونية، ومنظومات دمج البيانات والتحكم والسيطرة.
وتعكس هذه الجهود إدراك أبوظبي أن امتلاك المسيّرات الاعتراضية وحده لا يكفي لمواجهة التهديدات الجديدة، وأن النجاح يتطلب بناء منظومة متكاملة تجمع بين الكشف المبكر والقيادة والسيطرة والتنسيق العملياتي، وهي المجالات التي لا تزال تمثل الحلقة الأضعف في الدفاع الجوي الخليجي ضد أسراب المسيّرات منخفضة التكلفة.
