يشدد شبلي تلحمي في كتابه "المخاطر: أمريكا في الشرق الأوسط، عواقب القوة وخيار السلام" على أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على إعادة توزيع أوراق اللعب في الشرق الأوسط، لكنها لا تستطيع أن تحدد كيف ستأتي الأوراق. ويوفّر هذا التوصيف مدخلًا مناسبًا لفهم طبيعة الاشتباك الأمريكي مع أزمات المنطقة.
فإشارات التصعيد بين واشنطن وطهران تتزامن مع تزايد الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، وفي مقدمته نقل حاملة الطائرات لينكولن والمجموعة الضاربة التابعة لها من بحر الصين الجنوبي إلى منطقة عمليات القيادة المركزية، ونقل طائرات F-15E الأميركية من قاعدة "لاكنهيث" البريطانية إلى قاعدة "موفق السلطي" الجوية في الأردن، إضافة إلى نقل طائرات التزوّد بالوقود جوًا إلى قاعدة دييجو غارسيا في المحيط الهندي، ونشر بطاريات ثاد وباتريوت في قطر والسعودية والأردن، فضلا عن زيارة الجنرال براد كوبر قائد المنطقة المركزية الأمريكية إلى تل أبيب للقاء رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وإلغاء عدد من شركات الطيران الأوروبية رحلاتها إلى كلٍّ من إيران وإسرائيل.
ماذا يريد ترامب؟
يحرص ترامب على تجنب خوض حرب طويلة ضد إيران تستنزف المقدرات الأمريكية، لكنه في ذات الوقت يرى فرصة سانحة لاستعراض عضلاته العسكرية، لاسيما بعد إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي مادورو، وذلك بهدف دفع طهران إلى الاستجابة للمطالب الأميركية، التي تتلخص في إنهاء برنامج تخصيب اليورانيوم، وتقييد مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية بما دون 500 كيلومتر بحيث لا تصل إلى إسرائيل، ووقف تمويل الجماعات التابعة لإيران أو الحليفة لها، والمناهضة لإسرائيل.
وفي هذا السياق، يمثّل الاستمرار في الحشد العسكري، وإطلاق التهديدات، وتعزيز العقوبات الاقتصادية أدواتٍ أساسية لإجبار طهران على تقديم تنازلات من دون إطلاق عملية عسكرية.
غير أن هذا المسار يتطلب تجاوبًا إيرانيًا مع المطالب الأمريكية، بما يعني القبول باستسلام مجاني من دون قتال، وهو خيار لا يُرجَّح أن يقبل به مرشد الثورة علي خامنئي، والذي يعتبر أن تفكيك الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي لبرامجه النووية والكيميائية لم يَحُل دون تدخل حلف الناتو، بقيادة الولايات المتحدة، لاحقًا للإطاحة بحكمه ودعم قوات الثوار التي قتلته وفككت نظامه.
وفي ضوء تجربة فنزويلا، وتنفيذ الجيش الأمريكي عملية هجومية سريعة من دون خسائر تُذكر، قد يكون خيار استهداف المرشد علي خامنئي إلى جانب عدد من كبار مساعديه وقادة الحرس الثوري والأجهزة الأمنية هو الخيار الأكثر عملية لإحداث تغيير في توجهات النظام، بما يتوافق مع الأهداف الأمريكية، دون خوض حرب مطولة أو شن هجوم بري.
بين التفاوض وتغيير النظام
تواجه إيران التهديدات الأمريكية الحالية، وهي في أسوأ أوضاعها، حيث تتقاطع عدة ضغوط، في مقدمتها تصاعد الأزمة الداخلية وتآكل شبكة الردع.
فداخليا تعاني البلاد من احتجاجات اندلعت إثر الانهيار السريع في قيمة العملة المحلية، ما أدى، بحسب البيانات الإيرانية الرسمية، إلى مقتل ما يزيد على ثلاثة آلاف شخص خلال أقل من أسبوعين.
كما تعرضت المنشآت النووية الإيرانية لغارات عنيفة في منتصف عام 2025، وأُصيبت منظومات الدفاع الجوي بأضرار واسعة، بالتزامن مع مقتل عدد من قادة الصف الأول في الحرس الثوري وهيئة الأركان العامة، إلى جانب علماء نوويين.
ويتزامن ذلك مع الضغوط المتزايدة على حزب الله نتيجة الضربات الإسرائيلية اليومية، في وقت لا يزال يحاول فيه ترميم الخسائر الكبيرة التي تكبدها عام 2024، إثر اغتيال معظم قياداته، وتفجيرات أجهزة البيجر واللاسلكي، ومقتل نحو خمسة آلاف من كوادره.
كما شكّل سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، واعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، ضربة إضافية لمحور حلفاء وأصدقاء طهران.
وتتعامل طهران بجدية مع تهديدات ترامب، فقد سبق له في إدارته الأولى أن تجاهل نصائح وزير دفاعه جيمس ماتيس، الذي قال "إذا واجهنا الإيرانيين، فإنهم سيتحكمون في وتيرة التصعيد، وسينتهي بنا الأمر في موقف سيء للغاية"، ومع ذلك أقدم على اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، في يناير 2020، ثم شنّ في إدارته الثانية هجومًا على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025.
وبحسب يوسي كوبرفاسر، الرئيس السابق لقسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، فإن إسرائيل والولايات المتحدة تجاوزتا الحاجز النفسي الذي كان يردعهما عن مهاجمة إيران، وأدركتا أن طهران لم تَعُد مُرعبة، ولم تعد القيود التي كبّلتهما في الماضي، ودفعتهما إلى السماح بتطوير البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، قائمة بذات القوة.
ويشير نقل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مقترحًا لاستئناف المفاوضات إلى المبعوث الأميركي ويتكوف إلى رغبة طهران في تجنب مواجهة عسكرية، وتدشين مسار تفاوضي يمكن من خلاله التوصل إلى اتفاق يُخفّض سقف المطالب الأميركية.
وتراهن طهران في هذا المسار على استثمار التباين داخل واشنطن بين من يدفعون نحو ضربة عسكرية ومن يفضلون التوصل إلى صفقة، فضلًا عن التباين بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الإقليميين القلقين من فوضى ما بعد الضربة.
عمليًا، فإن إسقاط النظام في إيران ليس مستحيلًا، لكنه في المقابل ليس أمرًا سهلًا. فالنظام يمتلك مؤسسات عقائدية صلبة، في مقدمتها الحرس الثوري، إضافة إلى خبرة طويلة في امتصاص الصدمات والضغوط، في حين تتسم المعارضة الإيرانية بالتشتت وتباين التوجهات.
يبقى المشهد ملبدًا بالغموض؛ فالحشود العسكرية، والتصريحات الأميركية، وحالة التأهب الإسرائيلية، والتحركات الأوروبية، كلها تشير إلى احتمال ضربة أميركية وشيكة.
لكن في المقابل، تتزايد المخاوف من رد فعل إيراني قد يشمل استهداف القواعد الأميركية ومنشآت النفط في الخليج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وقصف إسرائيل، وصولًا إلى إغلاق مضيق هرمز إذا قُدّر أن النظام يواجه تهديدًا وجوديًا.
في المجمل، يبدو أن النظام الإيراني وصل إلى طريق شبه مسدود في تعاطيه مع إدارة ترامب وحكومة نتنياهو؛ فالإبقاء على عقيدته الحالية يعني مواصلة التعرض لحصار مشدد وضربات عسكرية تُقضم قدراته، في حين أن القبول بصفقة مهينة سيترتب عليه ثمن داخلي مرتفع يمس منطلقاته الأيديولوجية وشرعيته، وسياساته التي راكمها على مدى ما يقارب نصف قرن.
وتظل مقولة المستشرق الروسي فيتالي نعومكين ذات مصداقية، إذ يقول "إن الشرق الأوسط يتسم بمزيج مدهش من قابلية التغيير والثبات في الواقع السياسي. فهناك زوبعة مستمرة من الأحداث، ومع ذلك لا يبدو أن شيئًا يتغير أبدًا. ثم يمكن للتطورات المفاجئة به أن تغير الواقع الإقليمي بين عشية وضحاها".
