أمن قومي

    نظرات في التحليل الاستخباري: لماذا تُخدع أجهزة الاستخبارات؟

    أنس خضر
    أنس خضر
    الأحد 7 يونيو 2026
    نظرات في التحليل الاستخباري: لماذا تُخدع أجهزة الاستخبارات؟

    "تتمثل مهمة محللي الاستخبارات في تطبيق الخبرة العملية المتعمقة والمعلومات المكتسبة من كافة مصادر جمع المعلومات، لإنتاج تقديرات تعطي قيمة مضافة ومميزة لجهود السياسيين لحماية وتعزيز المصالح الأمنية الأمريكية".

    بهذه العبارة أوجز خبير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جاك ديفيس مهمة التحليل الاستخباري كجزء أساسي من دورة الاستخبارات، بحيث يساعد صناع القرار على فهم أعمق للواقع وتقدير أفضل للموقف لوضع السياسات الأمثل على المديين القريب والبعيد.

    على مر التاريخ الحديث، وُجهت الكثير من الانتقادات لأبرز أجهزة الاستخبارات نتيجة فشلها في التنبؤ بهجمات معادية كبيرة، ووقوعها ضحية خداع الخصوم، مثلما تجلى في فشل الاستخبارات الأمريكية بتوقع الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربر في 7 ديسمبر 1941، والذي أدى إلى تدمير 188 طائرة ومقتل أكثر من 3 آلاف ضابط وجندي أمريكي.

    وفي معركة طوفان الأقصى، تبخرت أسطورة الاستخبارات الإسرائيلية صبيحة 7 أكتوبر 2023، حيث فشلت في توقع الهجوم الذي أدى لمقتل حوالي 1200 إسرائيلياً وأسر 251 آخرين، ووصفه رئيس الوزراء نتنياهو بأنه "فشل استخباراتي خطير".

    نقص في المعلومات أم خطأ في التحليل؟

    يُعزى الفشل في تقديم إنذار استخباري إلى أسباب متعددة، منها: ضعف المعلومات المتوفرة، من حيث كونها عامة غير محددة، والثقافة الاستراتيجية، والخلل المؤسسي، وضعف التحليل، فقيمة المعلومات تُحدَّد من خلال تحليلها وتفسيرها ووضعها في سياقها الصحيح، ودمجها في قراءة متماسكة للواقع لتقييم نيات الخصم.

    قبيل الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربر الأمريكية في الحرب العالمية الثانية، كان واضحاً أن المفاوضات بين طوكيو وواشنطن فشلت، وتلقى قائدا القاعدة الأدميرال هازباند كيميل والجنرال والتر شورت تحذيرات من هجوم ياباني وشيك. ورغم الاستعدادات الدفاعية ورصد تحركات بحرية وجوية يابانية قبالة القاعدة، ظنت الاستخبارات العسكرية الأمريكية أن الهجوم سيكون محدودا في الخطوط الخلفية، ولذلك أعلن الجنرال شورت التأهب "ضد عمل تخريبي"، وركز معظم طائراته المقاتلة في القاعدة لحمايتها مستبعداً تماماً أن تتعرض بيرل هاربر لهجوم. وعندما رصد الرادار عددا كبيرا من الطائرات اليابانية في الأجواء، أرسل الضابط المناوب جورج إليوت تحذيراً بهذا الخصوص، غير قوبل برد يشدد على تجاهلها ظناً بأنها سرب من قاذفات B-17 المرتقب وصولها من الولايات المتحدة.

    وقبيل معركة "طوفان الأقصى" كذلك، اعتمدت شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إلى حد كبير على الجهد التقني في رصد أي تحركات استثنائية خلاف النمط المعتاد في غزة. وقبل ثلاثة أشهر من الهجوم، كتبت ضابط الصف نوا ميلمان 3 تقارير تفصل "أنشطة تدريبية مريبة وغير معتادة" لفصائل المقاومة الفلسطينية قرب الجدار الإسرائيلي العازل على حدود قطاع غزة. كما أظهرت مقاطع مصورة عناصر المقاومة وهم يتدربون على القتال في مواقع تحاكي المواقع الإسرائيلية في غلاف غزة، لكن كبار ضباط الاستخبارات العسكرية اعتبروها تدريبات للحفاظ على معنويات المقاومين، أو رسائل سياسية أو استعراضات رمزية، لا أنها تحضيرات لهجوم محتمل. وجددت ميلمان تحذيرها في 4 و5 أكتوبر/ تشرين الثاني 2023، أي قبل ساعات قليلة من الهجوم، دون أن تؤدي هذه التحذيرات إلى إعادة تقييم للمشهد.

    لاحقاً، كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن المسؤولين الإسرائيليين تلقوا تقارير حول خطة كتائب القسام لشن الهجوم قبل أكثر من عام، وتضمنت تفاصيل المواقع الإسرائيلية في غلاف غزة، لكن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية استبعدت حينها هذا السيناريو، ورأت أن كتائب القسام عاجزة عن تحقيقه.

    في هذا السياق، يعلق الرئيس السابق للاستخبارات البريطانية أليكس يونغر قائلاً: "يبدو أن الفشل الإسرائيلي الكبير كان فشلاً في القدرة على الخيال، كما تم مع أحداث 11 سبتمبر، ما يشير دائماً إلى خطورة الخلط بين ما تريد وبين الواقع، وقد ظنت إسرائيل أن حماس قد رُدعت".

    تشكلت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تجاه حركة حماس قبل 7 أكتوبر 2023 وفق 4 ركائز رئيسية، هي: الردع، الاحتواء، الاغتيالات المستهدفة، واستغلال الانقسامات الفلسطينية الداخلية. وقد مثل "الردع" محوراً أساسياً ضمن هذه العقيدة، ويقوم على فرض تكلفة استراتيجية عالية على أي عمل هجومي تشنه فصائل المقاومة، ما يتطلب إلى جانب التفوق العسكري الدائم القدرة على الحصول على معلومات استخبارية دقيقة بسرعة تسمح بتحديد مواقع الأهداف المعادية وضربها بأقصى فاعلية.

    وبناءً على القناعة بتحقق هذا الردع، نقل الجيش الإسرائيلي جل كتائب فرقة غزة إلى الضفة الغربية، وأبقى على كتيبتين فقط حول قطاع غزة، وذلك استناداً إلى تقييم الاستخبارات الإسرائيلية بأن الضفة الغربية تشكل أخطر التهديدات الأمنية آنذاك.

    وفي المقابل، تشكلت الفرضيات التحليلية تجاه القطاع وفق عدة اتجاهات، هي: أن فصائل المقاومة تفضل عدم التصعيد نتيجة الردع الإسرائيلي، أن تهديدها يمكن احتوائه نتيجة تقنيات المراقبة المتطورة وأنظمة الإنذار المبكر وقدرات الاستخبارات الإلكترونية التي تضمن السيطرة على المشهد العام ومنع أي تصعيد غير متوقع.

    كيف تؤثر التحيزات على موضوعية التحليل الاستخباري؟

    تنقسم مؤسسات الاستخبارات الإسرائيلية الرئيسية إلى 3 أجهزة: الموساد المعني بالاستخبارات الخارجية، والشاباك المعني بالاستخبارات الداخلية، وأمان وهي شعبة الاستخبارات العسكرية. وفيما يتعلق بقطاع غزة ومواجهة فصائل المقاومة، يتولى الشاباك وأمان بشكل رئيسي مسؤولية متابعة العمليات والتنبؤ بالمخاطر. ورغم القدرات العالية للاستخبارات الإسرائيلية بما يشمل المصادر البشرية والاستخبارات التقنية والسيبرانية، إلا أن هذه الهيكلية الثلاثية افتقرت إلى جهة مركزية تنسق التحليلات فيما بينها، وهو ما عُد خللاً مؤسسياً مؤثراً. فمع أن ارتباط هذه الأجهزة مباشرة برئيس الوزراء نتنياهو يعزز فعاليتها وسرعة استجابتها عملياً، إلا أنه عزز المنافسة بينها، وجعلها أضعف نسبياً أمام التدخلات السياسية خلال السنوات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر.

    من هنا، يوضح الإخفاق الإسرائيلي في التنبؤ بهجوم 7 أكتوبر خطورة التحيزات في التأثير على التحليل الاستخباري، خاصة حين تتأثر دورة الاستخبارات بأولويات وأفكار القيادة السياسية بدلاً من أن تساهم في صياغتها والتأثير فيها. فقد أثرت رؤية رئيس الوزراء نتنياهو على تقييمات أجهزة الاستخبارات تجاه نيات المقاومة وقدراتها، ودعمتها تقديرات عسكرية واستخبارية تصب في ذات الاتجاه.

    ففي عام 2019، رأى قائد القيادة الجنوبية في جيش الاحتلال حينها هرتسي هاليفي أن حماس تتجه نحو التهدئة مع اتساع التباين بينها وبين حركة الجهاد الإسلامي. وفي ديسمبر 2022، توقع رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أهارون حاليفا أن يستمر الهدوء بعد معركة "سيف القدس" لمدة خمس سنوات، وأرجع ذلك إلى "التحولات التي لا تصب في صالح حماس، وسعيها للاستقرار الاقتصادي، والسماح لسكان غزة بالعمل في إسرائيل".

    وساهمت الفرضيات المسبقة حول الردع والاحتواء في تكريس اعتقاد بأن هجوماً بحجم 7 أكتوبر لا يمكن وقوعه دون أن يُكتشف، وأنه ما لم تظهر أي إشارة واضحة لدى كبار مسؤولي التحليل فإن الهجوم غير محتمل، فساهم كل ذلك في الحد من فعالية الإنذارات الفردية، كتلك التي أرسلتها نوا ميلمان، وتم التعامل معها كتقييمات هامشية أو خارج سياقها الصحيح. ولفرط الثقة في التقنيات الاستخبارية، مُنع أي طرح لإعادة النظر في الأطر التحليلية لدى الاستخبارات الإسرائيلية حتى مع تواتر الإشارات واقتراب موعد الهجوم.

    وبناء على الجو السائد لدى القيادة السياسية والأمنية والعسكرية، لم يكن غريباً أن يرجّح محللو الاستخبارات الإسرائيلية التقارير المتفقة مع رغبات وأولويات القيادة، فضلا عن أثر التحيز الثقافي المسبق الذي يزدري القدرات الفلسطينية، ومن هنا حدث الخلط بين الاعتبارات السياسية والثقافية وبين تقييمات الاستخبارات المهنية، ما قاد إلى فشل استخباري مدوي.

    تثبيت التحيزات بالخداع

    منذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، وعلى امتداد جولات القتال المتصاعدة مع جيش الاحتلال، تطورت القدرات العملياتية لفصائل المقاومة بما سمح لسيناريو طوفان الأقصى بان يصبح ممكناً، وذلك، إلى جانب عوامل أخرى، شملت التكيّف مع التفوق العسكري والتقني الكبير للاحتلال الإسرائيلي والعمل على خداعه.

    إن الخداع عملية يقوم بها الخصم لتضليل عدوه، ولذا فإن اكتشاف وجود الخداع يعد مهارة أساسية في عمل الاستخبارات تتطلب فهماً دقيقاً لماهيته: فهل الخدع تقوم كلها على الكذب المحض؟ أم أن كثيراً منها يستخدم جزءًا من الحقيقة أو يخفي الحقائق الهامة؟ والشاهد هنا أن الخصم قادر على خداع محللي الاستخبارات حين لا يبحثون عن الخدعة، لأنهم ببساطة قد لا يفعلون ذلك ما لم يُطلب منهم، بل يفترضون سلامة المشهد في ظل غياب الأدلة الظاهرة.

    على سبيل المثال، تعززت التصورات الخاطئة لدى المحللين الإسرائيليين نتيجة استراتيجية الخداع التي اتبعتها كتائب القسام، حيث أدركت أن استخبارات الاحتلال تعتمد أكثر على الاستخبارات التقنية بدلاً من المصادر البشرية، ومن ثم بدأت عملية خداع لتثبيت التحيزات الإسرائيلية من خلال رسائل وحوارات متبادلة بين المقاومين على شبكة الهاتف وبرامج المراسلات تتضمن ما كان المتنصتون الإسرائيليون يتوقعون، أو يرغبون، في سماعه، بينما كانت التحضيرات العملياتية الحقيقية تجري عبر الاتصالات السلكية الممتدة داخل أنفاق قطاع غزة والتي يصعب على الاستخبارات الإسرائيلية اختراقها دون تدخل بشري مباشر. وبذلك، تعزز لدى الاستخبارات الإسرائيلية الاعتقاد المسبق حول ضعف المقاومة سياسياً واقتصار قدراتها العسكرية على العمليات التكتيكية الصغيرة فحسب.

    وفي هذا السياق، نقلت صحيفة واشنطن بوست عن اثنين من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي السابقين قولهما بأن "التركيز على التكنولوجيا أضعف ثقافة التحذير لدى الوحدة 8200 في الاستخبارات الإسرائيلية".

    وهذا الضعف لم يحدث نتيجة خطأ إسرائيلي فحسب، فقد طبقت حركة حماس سياسة لمكافحة التجسس حددت من خلالها مصادر التجسس الإسرائيلية وفككت شبكات العملاء وعززت الانضباط الداخلي لدى عناصرها. بالتوازي مع ذلك، اعتمدت الحركة إجراءات دقيقة وخاصة في مجال الاتصالات، من خلال الحذر في استخدام الهواتف مع تفضيل أجهزة الاتصال السلكية، ونقل الأوامر عبر العناصر البشرية، ما عزز ثقافة أمنية حيدت نسبياً التفوق التقني الإسرائيلي. ونتيجة لذلك، واجهت الاستخبارات الإسرائيلية خصماً قادراً على توقع أساليب المراقبة والتلاعب بها وخداعها.

    صناعة التحليل الموضوعي

    عادة ما تعقب إخفاقات أجهزة الاستخبارات انتقادات لاذعة ودراسات متنوعة تبحث في مكمن الخطأ لتقديم الحلول، ويعتقد خبراء هذا المجال أن السبب الرئيسي لفشل التحليل الاستخباري يكمن على الأرجح في التفكير التحليلي الخاطئ.

    إن عملية التحليل تهدف للوصول إلى نتيجة وصفية وتفسيرية لمجموعة معينة من الظروف ومحاولة توقع المستقبل، وتنقسم في الجملة إلى مرحلتين: جمع المعلومات ثم تحليلها. وهنا تبرز المتطلبات التحليلية وفق 3 فئات: وصفية تتناول الواقع والعلاقات، وتفسيرية تحمل إيضاحات وأدلة، وتوقّعية تتناول القادم في المستقبل.

    والمحلل الاستخباري المتميز هو القادر على التفكير بشكل موضوعي ومنهجي لفهم وحل الإشكاليات المطروحة بشكل منظم يتجنب التحيزات الشخصية، وذلك من خلال التفكير النقدي القادر على تفسير المعلومات وتقييم الأدلة، وإيجاد علاقات منطقية بين عناصر المشهد من عدمها، واختبار الاستنتاجات والفرضيات.

    كما يجب أن يتقن المحلل طريقة التفكير التأملي القائم على خاصية "التسلسل"، أي ترتيب الأفكار بحيث تؤسس كل فكرة لما بعدها. أما الإبداع فهو أحد أهم مهارات التحليل، حيث يدفع المحلل نحو التفكير خارج الصندوق وتجنب الاقتصار على الفكرة الجماعية السائدة، وصولاً إلى التفكير من موقع الخصم كذلك.

    في المقابل، فإن القيود البشرية تُعد من التحديات الرئيسية التي تؤثر على التفكير النقدي لمحدودية قدرة البشر على معالجة القضايا المعقدة، وضعفهم في التعامل مع عوامل عدم اليقين والتحيزات الشخصية. والمحلل يقع في فخ التحيزات عندما يختار بشكل انتقائي المعلومات التي تدعم فرضيته أو رأي القيادة متجاهلاً المعلومات المناقضة.

    ونظراً لصعوبة التجرد تماماً من التحيزات لأنها قد تقع بشكل لا إرادي، إلا أن بإمكان المحلل التقليل منها من خلال مراجعة آراء زملائه، ومقارنة المعلومات بمصادر متعددة، وإدراج النتائج المضادة في التحليل النهائي، ووجود مجموعة مستقلة أخرى من المحللين تدرس نفس المشكلة.

    أساليب كشف الخداع

    تقوم الخدع الاستخبارية والعسكرية على التأثير على الخصم ودفعه نحو:

    - الانتباه لعامل التأثير، المصمم لذلك أصلاً، ثم الاهتمام به:

    خلال الحرب العالمية الثانية، نفذت الاستخبارات البريطانية "عملية مينسميت" لتضليل الاستخبارات الألمانية بشأن محور الهجوم البحري الذي سيطلقه الحلفاء في البحر الأبيض المتوسط، وإيهامهم بأن الإنزال سيستهدف اليونان لا صقلية. استخدم البريطانيون جثة ميت يدعى غليندوِر مايكل، وموّهوها كأنها جثة ضابط بريطاني، ووضعوا في جيبه وثائق عسكرية مزيفة تفيد بأن الإنزال سيستهدف اليونان، وألقوها قبالة سواحل إسبانيا بحيث يُعثر عليها صدفة وتصل الوثائق إلى أيدي الاستخبارات الألمانية.

    - تشكيل الفرضية المقصودة من الخدعة، بشرط أن يكون نمط الحدث مطابقاً لأنماط هي جزء من تجربة الهدف وذاكرته:

    مما زاد مصداقية خدعة "مينسميت" التفاصيل الشخصية والدقيقة التي عُثر عليها بحوزة الجثة المموهة، كبطاقة الهوية وقائمة أرقام اتصالات وفواتير ورسائل شخصية، والعثور على جثة قبالة الساحل مع هذه التفاصيل يتطابق مع النمط المعتاد لحوادث الغرق.

    - الفشل في كشف الخداع، بشرط إخفاء الثغرات الكامنة في الخدعة، والتي لا يمكن إلغاؤها، عن الخصم:

    كان بإمكان الاستخبارات الألمانية في عملية "مينسميت" أن تتفحص الجثة جيداً وتراجع الوثائق المدسوسة مع مصادر أخرى بما يتيح كشف الخدعة، لكن كثرة التفاصيل الدقيقة والمنطقية والطريقة التي عُثر فيها على الجثة جعل الحدث يبدو واقعياً.

    ويجب أن تتنبأ خطة الخداع الفعالة بجميع هذه الحالات وتسعى لضمان النتائج، ويكون ذلك قبل كل شيء بمراقبة ردود فعل الخصم النمطية. فساحة الصراع هي في الحقيقة نتاج تفاعل بين جهتين، ما يعني أن محاولات الخداع يجب أن تقابلها محاولات لكشف الخدع والتعامل معها، وذلك وفق أساليب عديدة منها:

    أولاً: البحث عن أنماط التطابق والتعارض

    تكمن أهمية تحديد أنماط التطابق والتعارض في مرحلة التفكير النقدي وصياغة الفرضية. فحين يسفر التحليل عن نتيجة غير متوقعة لا تتطابق مع النمط المعتاد فإن الخطأ يكون إما في مصادر المعلومات، أو عملية الفهم والتحليل نتيجة خطأ في اتباع الإجراءات المطلوبة، وإلا فإن ذلك يعد مؤشراً على وجود خداع. وقبل كل شيء، يتطلب الأمر معرفة الأصل في الحالات الطبيعية وما يتنافى معه.

    ففي الحرب العالمية الثانية، نفذ الألمان "عملية غريف" عبر تسلل وحدات ألمانية باللباس العسكري الأمريكي إلى الخطوط الخلفية للجيش الأمريكي. لكن الخدعة كُشفت نتيجة الفروق اللغوية في لهجة الجنود الألمان الذين لم يتقنوا اللكنة الأمريكية للغة الإنجليزية، إلى جانب استخدامهم مصطلحات عسكرية غير متعارف عليها لدى الجيش الأمريكي، فضلاً عن عدم تطابق العديد من المعدات مع المعدات الأمريكية.

    ثانياً: قاعدة الزائد أو الناقص

    لكل كائن في عالم الحقيقة عدد كبير ومحدد من الخصائص التي تشكله بلا زيادة أو نقصان، وهذا هو الأصل. أما عمليات التقليد فجميعها تشترك مع الأصل في واحدة على الأقل من هذه الخصائص، وغالباً في العديد منها، ولكنها مع ذلك تفتقر إلى خاصية واحدة على الأقل من خصائص الأصل، وعادة ما يكون لها خصائص إضافية ليست فيه.

    فإذا كُشف عن خاصية واحدة زائدة أو ناقصة أمكننا معرفة الأصل من التقليد، ما يعني أن أهم نتيجة لقاعدة "زائد أو ناقص" هي أن المحلل لا يحتاج إلى اكتشاف كل أو حتى العديد من التناقضات، بل يكفي وجود خطأ واحد سواء أكان زيادة أم نقصاناً لإثبات وجود خدعة. ولذلك فإن معرفة عدد أكبر من الخصائص المميزة لشيء ما تزيد من فرص كشف الخدعة.

    من الأمثلة على ذلك قصة الجاسوس ألدريتش أميس، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الذي تحول في عام 1985 إلى عميل لصالح الاستخبارات السوفيتية KGB واعتقل بتهمة التجسس في عام 1994. اكتُشفت عمالة أميس لأنه لم يُخفِ ثروته الجديدة، فرغم أن راتبه السنوي لم يكن يتجاوز 70 ألف دولار، إلا أنه اشترى منزلاً بقيمة 540 ألف دولار نقداً وأنفق الآلاف على صيانته واقتنى سيارة حديثة. حينها، أثار نمط حياته المترف وإنفاقه المفرط الشكوك حوله، ما وضعه تحت المراقبة وأدى في النهاية إلى اعتقاله عام 1994.

    صراع العقول

    تشير الأمثلة التاريخية الكثيرة لعمليات الخداع العسكري والاستخباري، بما فيها من حالات النجاح والفشل، إلى عملية تفاعل متبادل بين أطراف الصراع. فعمليات الجمع الاستخباري تقابلها مكافحة التجسس، والتحليل الاستخباري تعوقه عمليات الخداع، والخدع الاستخبارية والعسكرية معرضة للفشل كذلك.

    ولذلك، يبقى مجال التحليل الاستخباري والخداع ميداناً لصراع العقول، تتميز فيه عملية التحليل الجماعي الذي يوظف كامل البيانات المتوفرة ويتجرد ما أمكن من التحيزات والفرضيات المسبقة ضمن أطر فكرية إبداعية تراعي تفاعل الخصوم والأعداء مع الإجراءات المتبعة، سواء في التخطيط للخداع أو مكافحته، مع عدم الإفراط في الثقة بالقدرات الذاتية أو التقليل من إمكانيات العدو. ومهما يكن التطور التقني قد ساعد البشرية في قدرات الجمع والتحليل، إلا أن الميزة تبقى للتحليل البشري الذي يفهم المشهد ضمن سياقاته المتنوعة ككل.

    أنس خضر

    أنس خضر

    باحث بالشأن اللبناني والإسلامي

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *