ازدواجية السلاح وامتحان السيادة: عملية تفكيك قسد وتوحيد القرار السوري

    محمود النجار
    الجمعة 9 يناير 2026
    ازدواجية السلاح وامتحان السيادة: عملية تفكيك قسد وتوحيد القرار السوري

    تشكّلت قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في شمال شرق سوريا في عام 2015، وأُعلن تحديدًا عن تأسيسها رسميًا في 10 أكتوبر/تشرين الأول في مدينة المالكية بمحافظة الحسكة، وذلك في سياق الحرب على تنظيم "الدولة الإسلامية" وحاجة التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، إلى شريك بري قادر على تنفيذ عمليات واسعة على الأرض، وجاءت تلك الخطوة بعد أن يئست الولايات المتحدة من تشكيل فصيل سوري آخر يعيد توجيه سلاحه إلى "تنظيم الدولة" بعد أن كان موجَّهاً إلى نظام الأسد.

    وفي الوقت نفسه، سعت قسد منذ البداية إلى تقديم نفسها كقوةً وطنية موحَّدَة عابرة للهويات، تضم العرب والكرد والسريان وغيرهم، وتعتمد المرأة مكوِّنًا أساسياً، مع تبني خطاب سياسي يربط القتال بمشروع حكم محلي/إدارة ذاتية، يمنحها غطاءً تعدديًا أكثر قبولًا من الاعتماد على وحدات ذات طابع كردي صرف.

    وعبَّرت نشأة قسد عن نموذج ظهر في ظروف الحرب؛ يمثل قوة مسلحة خارج إطار الدولة، واكتسبت شرعيتها العملية من ظرف "مكافحة الإرهاب"، ومن رعاية دولية مباشرة، ثم سعت إلى ترسيخ واقع إداري وأمني واقتصادي في مناطق سيطرتها.

    القدرات العسكرية لقسد ومكوّناتها

    تعتمد قسد تسلسلاً قياديًا واضحًا يتضمن:

    المجلس العسكري بوصفه أعلى سلطة قيادية مخولة باتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبرى، ويمثّل الفصائل والوحدات المنضوية تحته.

    القائد العام باعتباره رأس الهرم التنفيذي، يدير اجتماعات المجلس العسكري والقيادة العامة، ويشرف على نشاطاتها، ويُصادِق على قراراتها بين دورات الانعقاد.

    القيادة العامة (يتراوح عدد أعضائها بين 9 و13 عضوا، مع تمثيل نسائي)، وتتولى توزيع القوات وقيادتها ميدانيًا، وتخطيط الحملات وإدارتها.

    لجنة الانضباط العسكري لمعالجة الخلافات الداخلية، ومحاسبة المخالفين، ومتابعة شكاوى المدنيين.

    مكاتب تخصصية (العلاقات، الإعداد والتدريب، الإعلام، الذاتية والأرشيف، المالية والتسليح والتموين، المعلومات العسكرية، شؤون المرأة المقاتلة) بما يرفع مستوى التنظيم الإداري والجاهزية.

    تمنح هذه البنية قسد ميزتين أساسيتين: قدرة أعلى على توحيد القرار مقارنة بتشكيلات فصائلية أخرى، وقدرة عملية على إدامة السيطرة عبر الإدارة والتمويل والضبط الداخلي.

    أما من حيث المكوِّنات، فيتكون جسم قسد من خليط وحدات وفصائل، لكن مع "عمود فقري" واضح:

    وحدات حماية الشعب (YPG): أكبر تشكيلات قسد ونواتها القتالية الأساسية.

    وحدات حماية المرأة (YPJ): جناح قتالي نسائي فاعل وممثَّل في البنية القيادية.

    فصائل عربية حليفة انضوت منذ التأسيس وأسهمت في القتال ضد داعش في المناطق ذات الأغلبية العربية، مع إشارات إلى أن قسد اتجهت لاحقًا إلى ضبط هذه التشكيلات عبر الدمج أو التحجيم لضمان وحدة القيادة.

    المجلس العسكري السرياني (MFS): مكوّن تمثيلي للمسيحيين السريان/الآشوريين.

    وحدات نخبة وعمليات خاصة: مثل وحدات مكافحة الإرهاب والكوماندوس، وتُقدّم بوصفها أكثر تدريبًا وتجهيزًا، وموجهة لمهام مكافحة الإرهاب والعمليات النوعية.

    كما اتجهت قسد منذ عام 2019 لتشكيل مجالس عسكرية محلية في مناطق رئيسية (منبج، دير الزور، الرقة، تل أبيض، الجزيرة/الحسكة وغيرها)، بهدف: إشراك المقاتلين المحليين، ولاسيما العرب، لتعزيز القبول الاجتماعي في المناطق العربية، وتقليل الانطباع بأن القرار محصور في وحدات حماية الشعب.

    وبذلك طورت قسد أدوات حكم أمني محلي لتثبيت نفوذها عبر واجهات محلية، مع بقاء الإشراف المركزي بيد القيادة العامة.

    تشير التقديرات أن قوام قسد يصل إلى نحو 55 ألف مقاتل، مع غالبية عددية للعنصر العربي، نتيجة التوسع في التجنيد بمناطق عربية وتطبيق "الدفاع الذاتي/التجنيد الإلزامي". أما المفاصل القيادية العليا فتبقى بيد كوادر كردية مرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي، في حين يزداد الحضور العربي على المستويات المحلية.

    تسيطر قسد على مساحة واسعة في شمال وشمال شرق سوريا، تمتد شرق نهر الفرات من الحدود العراقية حتى مناطق مثل كوباني ومنبج. وتشمل معظم محافظة الحسكة، ومعظم محافظة الرقة، وأجزاء كبيرة من دير الزور الشرقية بما فيها حقول نفط وغاز رئيسية، إضافة إلى وجودها في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب.

    تستند قوة قسد إلى مصدرين رئيسيين:

    1. دعم التحالف الدولي/الولايات المتحدة: تسليح وتدريب واستخبارات وغطاء جوي وتمويل مرتبط ببرامج مكافحة تنظيم الدولة، إضافة إلى رواتب ودعم لوجستي. ويعود هذا الدعم إلى اعتبار قسد حليفاً في مواجهة تنظيم الدولة، إذ تتولى حراسة سجون أسرى التنظيم من المقاتلين وعائلاتهم في مخيمي الهول وروج آفا.

    2. موارد محلية: عائدات النفط والغاز، والزراعة (القمح)، والضرائب والرسوم ومعابر التجارة، إضافة إلى عتاد جرى الاستيلاء عليه خلال المعارك.

    هذا المزج بين المورد الذاتي والمظلة الدولية، يمنح قسد قدرة على الاستمرار والحفاظ على تماسك تنظيمي مقارنة بتشكيلات تعتمد على طرف واحد فقط.

    نقاط الضعف في بنية قسد

    رغم عوامل القوة التي تتمتع بها قسد، فإنها تعاني من نقاط ضعف عديدة يمكن للدولة السورية النفاذ منها لتحقيق واجباتها وإنفاذ سيطرتها على كامل الأراضي السورية، ومن أبرزها:

    هشاشة التماسك الداخلي: إذ تتفاوت مكوِّنات قسد عدداً ونفوذاً، فالتعدد داخل قسد، مع وجود مجالس محلية عربية وقاعدة بشرية متنوعة، يقابله تركّز القرار في نواة قيادية كردية، ما يولّد توتراً وإحساساً بالدونية لدى المكوِّن العربي، ولا سيما في المناطق العربية التي توسَّعَت إليها قسد لاحقًا.

    الاعتماد على المظلة الخارجية: إذ ترتبط قدرات نوعية لقسد (التدريب، الاستخبارات، الغطاء سياسي/الأمني، وجزء من التمويل واللوجستيات) بالدعم الأمريكي والتحالف، وهذه علاقة بطبيعتها قابلة للتغير تبعا للأولويات الدولية.

    إشكاليات التجنيد الإلزامي وتآكل الشرعية المحلية: فقد أسهم نظام "الدفاع الذاتي/التجنيد الإلزامي" في زيادة نسبة العرب داخل قسد، لكنه في المقابل يخلق احتكاكات اجتماعية ويؤثر في القبول المحلي، إذ غالباً ما تستاء المجتمعات العربية والكردية من ممارسات التجنيد الإلزامي، خصوصاً عندما تطال الفتيات، وتُنفَّذ من قبل ميليشيا تفرض الأمر الواقع دون تحصيل أي شرعية مجتمعية.

    كما تتنافى الأفكار والقيم التي تركِّز عليها "قسد" مع طبيعة المجتمعات العربية والمسلمة التي تحكمها، ففيما ترى "قسد" الدينَ عنصرا هامشياً، تراه هذه المجتمعات عنصرا أساسياً في حياتها اليومية وفي تصوراتها للمجتمع والدولة.

    كذلك ركَّز خطاب قسد وسلوكها على "تحرير المرأة" و"مساواتها" بالرجل دون أي مراعاة لخصوصية المجتمعات التي تحكمها ومرجعيتها الدينية والعشائرية، مما ولَّد غضباً مكبوتاً لدى هذه المجتمعات.

    وفيما تحرص قسد على خطاب التعددية، فإنها تُدار فعليا عبر مركز قرار تقوده النواة الكردية، وتشكل هذه الفجوة بين الخطاب والواقع نقطة ضغط سياسية واجتماعية، كلما تعمّقت مطالب المشاركة المحلية أو طُرحت أسئلة الشرعية والسيادة.

    كما يبرز الموقف التركي الحاسم الرافض لوجود أي كيان كردي على حدودها، إذ تمتلك تركيا تاريخًا طويلًا من الصراع مع حزب العمال الكردستاني، الذي انبثقت منه قسد.

    وقد تدخلت تركيا في الأراضي السورية عامي 2018 و2019 عبر عمليتي غصن الزيتون ونبع السلام، حيث كان الهدف الرئيس لعملية درع الفرات كبح جماح تمدد قسد على حساب تنظيم الدولة.

    وأبدت تركيا مرارًا وبوضوح رفضها لأي اتفاق مع قسد لا يكفل ذوبانها في الدولة السورية الجديدة، كما لا يمكن للدولة السورية، ولو أرادت، تجاهل هاجس الأمن القومي لجارتها الأقرب.

    القدرة القتالية الحقيقية

    لم تخض قسد أي معركة تقريباً ضد تنظيم الدولة منفردة، إذ تمثّلت مهمتها الحقيقية في الإمساك بالأرض بعد أن يتولى طيران التحالف إفناء قوات التنظيم أو إجبارها على الانسحاب.

    وفي المعركتين اللتين خاضتهما ضد القوات التركية، لم تُبدِ مقاومة كبيرة، وظهر ذلك أيضًا في هزيمة قسد في منطقة تل رفعت على يد فصائل الثورة السورية بعيد سقوط نظام الأسد.

    وفيما يتمتّع بعض أفراد قسد بروح قتالية عالية واستعداد للتضحية، ولا سيما القادمون منهم من جبال قنديل، فإن هذا لا ينطبق على الغالبية الساحقة من قواتها من المجنّدين إجباريًا، سواء من أكراد سوريا أو من غير الأكراد.

    كما أن العقيدة القتالية لهؤلاء منبثقة من حرب العصابات التي لا تُقيم وزنًا كبيرًا للتمسّك بالأرض، ويُستبعد أن تصمد في مواجهة قوات نظامية جيّدة التسليح والتدريب والتنظيم.

    الرهان الصفري والطريق إلى إعادة السيادة

    يبقى الرهان الصفري لدى قسد قائمًا على إطلاق سجناء تنظيم الدولة، والتحوّل إلى تنظيم متمرّد ينقل تجربة حزب العمال الكردستاني في تركيا إلى سوريا، في حال تخلّت القوات الأميركية عنها وواجهت قوات الجيش السوري مدعومة بالقوات التركية.

    وهو ما يتطلّب من الدولة السورية المسارعة إلى السيطرة على مخيمات احتجاز سجناء تنظيم الدولة، وتكثيف الجهود الأمنية لمراقبة قيادات قسد وأفرادها.

    ويبقى السلاح الأمضى بيد الدولة السورية الجديدة هو الشرعية الشعبية أولًا، المستمدّة من إسقاط نظام الأسد، ومن ترسيخ مؤسسات الدولة، والمضي قدمًا في خطوات السلم الأهلي والعدالة الانتقالية؛ ومن الشرعية الدولية ثانيًا، عبر خطاب متوازن ومدّ الجسور مع مختلف القوى الدولية والإقليمية.

    ويبدو أن الدولة السورية أخذت في الحسبان الأخطاء التي حدثت في تجربتي الساحل والسويداء، في عملها العسكري في الحيين الذين تسيطر عليهما قسد في حلب، فضبطت النفس مليَّاً إزاء الاستفزازات التي بلغت حد الرمايات العشوائية على أحياء حلب السكنية، ثم بدأت العمل العسكري بقوات منضبطة، ووفق خطوات مدروسة لتقليل الضرر على المدنيين قدر الإمكان، بما يضمن ألّا تستغل قسد أي تجاوزات لتشكيل سردية عن مظلومية جديدة تبرر بها مطالب الانفصال أو الفيدرالية.

    لقد نشأت قسد بوصفها نتاجًا للحرب في سوريا، حين نأت بعض الفصائل الكردية بنفسها عن الثورة، وولّت عليها قادة من جبال قنديل فرضوا أيديولوجيتهم وأسلوبهم في العمل ونظرتهم السياسية.

    وتلاقى ذلك مع حاجة دولية إلى قوة على الأرض تُرسّخ ما يحقّقه طيران التحالف من مكاسب. غير أن هذه الفسحة، الناتجة عن فراغ السيادة وشرعية الدولة السورية والحاجة الدولية لمكافحة تنظيم الدولة، بدأت تضيق مع تولّي الدولة الجديدة مهامها، وستتراجع أكثر مع الاضطلاع بهذه المهام بمهنية وخطوات محسوبة بعناية.

    محمود النجار

    باحث سوري

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *