مآلات "اتفاق آذار" ومستقبل الصراع بين قسد والحكومة السورية

    عبيدة كنعان
    الأحد 11 يناير 2026
    مآلات "اتفاق آذار" ومستقبل الصراع بين قسد والحكومة السورية

    شكّلت معركة "ردع العدوان" في عام 2024 نقطة تحوّل جذري في المشهد السوري؛ فمع انهيار دفاعات النظام السابق في مدينة حلب وريفها، وجدت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نفسها في موقف حرج جرّاء خسارة مناطق نفوذها في ريف حلب الشمالي والشرقي أمام هجمات الفصائل المدعومة من تركيا ضمن عملية "فجر الحرية".

    وفي محاولة لقلب الموازين، سعت "قسد" إلى تعزيز حضورها العسكري في مطار حلب الدولي وبعض المناطق الاستراتيجية، طمعًا في بناء قاعدة انطلاق تُستخدم لاحقًا لكسر الحصار عن حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية.

    وعقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، تبلورت حدود سيطرة جديدة، حيث احتفظت "قسد" بمواقع مهمّة في ريف حلب الشرقي مثل "دير حافر" و"مطار الجراح"، بالإضافة إلى تواجدها في "بادية الرصافة" جنوب الرقة.

    ولكن، تحت وطأة الضغوط الأمريكية، وُقِّع في دمشق بتاريخ 10 مارس/آذار 2025 اتفاق بين قائد "قسد" مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع، نصّ على وقف إطلاق النار ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية في شمال وشرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، مع ضمان الحقوق السياسية والثقافية للكُرد. وتم منح مهلة تسعة أشهر لتنفيذ الاتفاق تنتهي بنهاية عام 2025. إلا أن الواقع الحالي يشير إلى وصول هذا الاتفاق إلى طريق مسدود.

    النشاط العسكري لقسد بعد الاتفاق

    بدلًا من اتخاذ خطوات ملموسة نحو الاندماج، استغلّت "قسد" مهلة الاتفاق لتعزيز ترسانتها العسكرية ورفع جاهزيتها القتالية. فقد رُصدت بشكل متكرر أرتال وتعزيزات ضخمة تتدفق إلى محاور التماس مع القوات الحكومية في ريفَي حلب والرقة.

    ولم يقتصر الأمر على الدفاع، بل نفذت "قسد" عمليات تسلل وإغارة استهدفت مواقع الجيش السوري، بالتوازي مع حملة تحصين واسعة شملت حفر شبكات أنفاق، فضلًا عن استقدام مقاتلين من حزب العمال الكردستاني عبر الحدود العراقية، واستقطاب مئات العناصر من فلول النظام السابق وتجنيدهم ضمن صفوفها.

    وترافقت هذه التحركات مع برامج تدريبية مكثفة، بعضها بإشراف مباشر من قوات التحالف الدولي.

    ميدانيًا، شهدت أحياء الشيخ مقصود ومحاور ريف حلب الشرقي بشكل متكرر مواجهات عنيفة استُخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والمسيّرات، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا بين العسكريين والمدنيين، وهو ما أثبت عدم جدوى الهدن المتكررة في وقف التصعيد.

    تقاطع المواقف الدولية

    تتبنّى الولايات المتحدة سياسة دفع الطرفين (قسد والحكومة) نحو تسوية تنهي التوتر وتدمج "قسد" في مؤسسات الدولة، بما يخدم رؤيتها لسوريا القائمة على التركيز على التنمية ومكافحة الإرهاب.

    من جانبها، ترحّب تركيا بأي حل يحفظ وحدة الأراضي السورية وينهي التهديد الكردي على حدودها الجنوبية. ورغم انفتاح أنقرة على الحوار مع حزب العمال الكردستاني، إلا أنها ترفض قطعياً بقاء "قسد" ككيان عسكري موحّد، وتطالب بإقصاء القيادات المرتبطة بما تسميه "الأيديولوجيات المتطرفة".

    وفي حين تلتزم روسيا بموقف ضبابي يركّز على حماية قواعدها في الساحل والقامشلي، تبرز إسرائيل كمستفيد أول من حالة عدم الاستقرار؛ إذ تسعى الاستراتيجية الإسرائيلية إلى إبقاء سوريا مقسّمة وضعيفة، عبر تحريض القوى المحلية على التمرد، كما حدث في السويداء من خلال دعم ميليشيا "الهجري"، وصولاً إلى الحديث عن مشروع "معبر داوود" الذي يربط الجنوب السوري بمناطق سيطرة "قسد"، ما يعزّز دافع الأخيرة لرفض الانصهار في الدولة.

    القدرات القتالية لقسد: هيكل وأسلحة

    تشكّلت "قسد" في عام 2015 بعد اندماج عدة ميليشيات، أغلبها كردية، بهدف مواجهة تنظيم داعش. وتطوّرت هذه القوة وتوسّعت لاحقاً بدرجة كبيرة، وهي تعتمد في وجودها وقدراتها على الدعم اللوجستي والتدريبي المقدَّم من قوات التحالف الدولي.

    يُقدَّر العدد الإجمالي لمقاتلي "قسد" ما بين 60 ألفاً و70 ألف مقاتل، بما في ذلك قوات الأمن الداخلي (الأسايش)، مع وجود تقديرات أخرى تشير إلى أن العدد قد يصل إلى 90 ألفاً، ما يعكس صعوبة الحصر الدقيق لهذه القوة غير النظامية.

    يعتمد تسليح قوات "قسد" بشكل أساسي على أسلحة المشاة الخفيفة والمتوسطة. ويتسلّح أفرادها ببنادق من نوع M4 وM16 الأمريكية، بالإضافة إلى بنادق كلاشنيكوف AK-47، مع رشاشات خفيفة وقاذفات آر بي جي.

    كما تمتلك ترسانة جيدة من الأسلحة المتوسطة، مثل الرشاشات عيار 12.7 مم و14.5 مم و23 مم، والتي تُحمَل عادةً على عربات ومركبات.

    وفي فئة المركبات المدرّعة، تمتلك "قسد" عدداً من عربات الهامفي والهامر، وعربات MRAP المضادة للألغام والكمائن، والتي زوّدتها بها قوات التحالف.

    وفي مجال الأسلحة الموجّهة المضادة للدروع، تمتلك "قسد" أنظمة فعّالة مثل صواريخ تاو الأمريكية وصواريخ كورنيت الروسية.

    تمتلك "قسد" أيضاً عدداً محدوداً جداً من الدبابات من طراز T-55 وT-62، والتي حصلت عليها إما بعد انسحاب قوات النظام السوري أو كغنائم من معاركها ضد تنظيم داعش.

    وقد طوّرت "قسد" قدرة ملحوظة في مجال صناعة وتوظيف الطائرات المسيّرة الانتحارية (UAVs) محلياً، حيث استخدمتها في مواجهات ضد القوات الحكومية السورية في ريف حلب وأجزاء من مدينة حلب.

    وفي المقابل، تفتقر "قسد" تماماً إلى منظومات المدفعية الثقيلة والدبابات الحديثة، كما لا تمتلك أي قدرة على الدفاع الجوي المنظّم، ولا تملك طائرات مقاتلة أو مروحيات عسكرية.

    وتعتمد "قسد" في تكتيكاتها القتالية بشكل أساسي على حرب المدن والقتال داخل الأحياء السكنية والأنفاق، ولديها خبرة عالية في مكافحة التنظيمات المسلحة.

    كما تعتمد في تنفيذ عملياتها على وحدات المشاة الصغيرة المدرَّبة بشكل نوعي، ولديها تشكيلات نخبوية تُعرَف باسم "قوات قنديل"، التي تحمل أيديولوجيا وفكر حزب العمال الكردستاني، وتُستخدَم في العمليات الخاصة والإغارات وعمليات التسلل والالتفاف، وقد نفّذت عمليات ناجحة ضد القوات التركية والفصائل الموالية لها في منطقة عفرين.

    الأجندة الحقيقية لقسد والمعادلة التفاوضية

    تتمحور استراتيجية "قسد" حول الحفاظ على مكاسبها الجيوسياسية والاقتصادية؛ فهي تسيطر على ما يقارب 25% إلى 28% من مساحة سوريا، وهي المساحة التي تضم الثروات النفطية والزراعية والمائية الكبرى.

    كما تسعى "قسد" إلى الحصول على اعتراف دستوري بشرعية سيطرتها، والمطالبة بحصة مباشرة من عائدات النفط، مع الإصرار على بقاء قواتها ككتلة عسكرية مستقلة ضمن نموذج يشبه "إقليم كردستان العراق".

    ويُعدّ هذا التوجّه نحو "الحكم الذاتي" أو "الفيدرالية" حجر العثرة الرئيسي الذي ترفضه الحكومة السورية وتركيا جملةً وتفصيلاً.

    وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، حاولت دمشق إبداء مرونة عبر مقترح لدمج "قسد" في وزارة الدفاع ضمن ثلاث فرق عسكرية، ولواءين بمهام خاصة (لواء حماية المرأة، ولواء مكافحة الإرهاب)، مع بقاء الأخير يعمل بالتنسيق مع التحالف الدولي. ورغم ذلك، لم تستجب "قسد" لهذا الطرح.

    وبتاريخ 4 يناير/كانون الثاني 2026، زار مظلوم عبدي دمشق برفقة الجنرال الأمريكي "كيفين ج. لامبرت"، إلا أن المباحثات لم تسفر عن خطوات حقيقية، وغادر الوفد دمشق وسط أجواء من التشاؤم، مع الاتفاق على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مستقبلاً.

    وإثر ذلك، قامت الحكومة السورية بعمل عسكري محدود لاستعادة حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، لتوجيه "ضربة مؤلمة" لـ"قسد" تجبرها على قبول شروط دمشق والتخلي عن فكرة الحكم الذاتي المستقل.

    سيناريوهات المستقبل: ماذا ننتظر في الفترة القادمة؟

    توجد عدة سيناريوهات أمام مسار العلاقة بين الحكومة السورية و"قسد".

    السيناريو الأول: تأجيل الصدام الواسع واستمرار المفاوضات

    إعطاء مهلة جديدة لتطبيق بنود اتفاق آذار، مع احتمال استكمال عملية السيطرة على مدينة حلب بالسيطرة على ريف حلب الشرقي وريف الرقة.

    ويعتمد هذا السيناريو على رغبة الولايات المتحدة في منع وقوع حرب جديدة، بحيث تضغط واشنطن على "قسد" لتقديم تنازلات حقيقية للحكومة السورية، وفي الوقت نفسه تطلب من الحكومة الصبر وعدم التصعيد.

    ويعتمد نجاح هذا السيناريو على مدى "جدية قسد" في تسليم بعض الصلاحيات لدمشق، ولو بشكل تدريجي، لتجنّب خيار الحرب.

    السيناريو الثاني: المواجهة العسكرية الشاملة

    في حال وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، فقد تقرر الحكومة السورية استعادة المنطقة الشرقية بالقوة. وسيكون هذا التحرك مدعوماً من تركيا التي تريد إنهاء نفوذ "قسد".

    وفي هذا السيناريو، قد تندلع احتجاجات داخل دير الزور والرقة ضد "قسد"، ما يسهّل دخول الجيش السوري.

    وقد تتحوّل المعركة في المدن الرئيسية، مثل الحسكة والقامشلي، إلى حرب شوارع صعبة وطويلة، لكن الكفّة ستكون في النهاية لصالح الحكومة.

    الخلاصة: مهلة انتهت وضغوط تتصاعد

    بناءً على ما سبق، تحاول "قسد" كسب الوقت والمماطلة أملاً في حدوث أي تغيير دولي يخدم مصلحتها، لكن الواقع يقول إن المهلة انتهت والضغوط تزداد.

    فسياسة "حفر الأنفاق" والتحشيد العسكري التي اتبعتها "قسد" بدلاً من تطبيق الاتفاق، أظهرت للحكومة السورية عدم جدية الطرف الآخر، ما جعل خيار "الحسم العسكري" مطروحاً على الطاولة.

    وسيظل مستقبل المنطقة الشرقية مرتبطاً بموقف الولايات المتحدة؛ فإما أن تُجبِر "قسد" على الانصهار داخل الدولة السورية فعلياً، أو ترفع يدها عنها وتتركها في مواجهة مباشرة مع الجيش السوري.

    عبيدة كنعان

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *