تشريح المشهد اليمني والصراع في حضرموت
أطلقت قوات درع الوطن، المدعومة سعوديًا وبغطاء جوي، عمليةً عسكريةً لاستعادة المواقع التي سيطرت عليها قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025. وجاءت العملية عقب تمدد تلك القوات ليشمل أجزاء واسعة من محافظة حضرموت المتاخمة للحدود السعودية، ومحافظة المهرة الحدودية مع سلطنة عُمان.
خلفيات الصراع
تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 برئاسة عيدروس الزبيدي، رافعًا مطلب انفصال اليمن إلى دولتين وفق حدود ما قبل عام 1990. وقد تلقّى المجلس دعمًا لوجستيًا وعسكريًا وماليًا من دولة الإمارات التي شاركت في العمليات العسكرية ضمن تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، والذي أطلق تدخله في اليمن في مارس/آذار 2015 بهدف استعادة سلطة الحكومة الشرعية من قبضة جماعة الحوثيين، التي سيطرت على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014.
غير أنّ المطالب الانفصالية لم تكن وليدة تأسيس المجلس الانتقالي، بل تمثل امتدادًا لمسار طويل من المطالبات التي برزت عقب حرب صيف 1994 الأهلية، التي انتهت بانتصار الشمال عسكريًا على الجنوب. وقد خلّفت تلك الحرب شعورًا واسعًا لدى الجنوبيين بالتهميش والإقصاء، وأسست لما بات يُعرف بـ المظلومية الجنوبية.
وفي هذا السياق، تشكّلت حركة المعارضة الوطنية الجنوبية بقيادة عبد الرحمن الجفري عام 1995، مطالِبةً بإصلاح مسار الوحدة التي عُمدت بالبندقية والدم، ثم في عام 1996 تأسست حركة حق تحرير المصير بقيادة عيدروس الزبيدي والتي تبنت الكفاح المسلح لفك الارتباط عن الشمال.
استمرت الاحتجاجات ذات الطابع المطلبي والحقوقي في الجنوب على فترات متقطعة، إلى أن شهد عام 2007 انفجار الحراك الجنوبي، الذي رفع شعار استعادة الدولة. وأثارت المظاهرات المتكررة قلق السلطة، فتعاملت معها الحكومة آنذاك بسياسات الاعتقال والقمع.
وفي تلك المرحلة، برز اسم حسن باعوم بوصفه أحد رموز الحراك، وتعرّض للاعتقال مرات عدة. كما انقسم الحراك داخليًا بين تيار يدعو إلى مسار سلمي لاستعادة الدولة، وآخر يتبنى خيار التصعيد الثوري.
وفي هذا السياق، دار حديث عن دعم إيراني قُدّم لبعض مكونات الحراك، خصوصًا مع إقامة عدد من قياداته في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث انطلق منها نشاطهم الإعلامي، بما في ذلك بث "قناة عدن".
شارك الجنوبيون، على غرار باقي الأطراف اليمنية، في ثورة عام 2011 ضد نظام علي عبد الله صالح، لكنهم فعلوا ذلك انطلاقًا من رؤيتين متباينتين:
الأولى رأت أن إسقاط النظام قد يفتح أفقًا لإصلاح سياسي شامل، يفضي إلى معالجة عادلة للقضية الجنوبية، وهو التيار الذي شارك في مؤتمر الحوار الوطني الشامل عام 2013، ومثّله ما عُرف بالحراك الجنوبي بقيادة ياسين مكاوي.
أما الرؤية الثانية، فذهبت إلى أنّ الإشكال لا يقتصر على النظام السياسي، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة مع الشمال ككل، وظل أصحابها متمسكين بشعار الانفصال، ووجّهوا اتهامات بالخيانة لكل من تبنّى مسارات تسوية أو إصلاح داخل إطار الدولة اليمنية.
بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، لم يشعر الجنوبيون بأن ما يجري يمسّ قضيتهم بصورة مباشرة؛ إذ لم تكن صنعاء تُعدّ بالنسبة إليهم عاصمة تمثلهم أصلًا، كما نظر كثير منهم إلى الحوثيين بوصفهم أصحاب قضية "مظلومية" تشبه، من حيث الجوهر، مظلومية الجنوب.
غير أنّ هذا التصور سرعان ما تبدّد في أواخر عام 2014، عندما تمدد الحوثيون، مدعومين بقوات حليفهم علي عبد الله صالح، عبر الساحل الغربي وصولًا إلى عدن، وسيطروا على أجزاء منها. وقد استدعى هذا التمدد في الوعي الجنوبي ذاكرة غزو الجنوب في 7 يوليو/تموز 1994، فأُعيد تأطير الحدث باعتباره غزوًا شماليًا جديدًا للجنوب، ما دفع الجنوبيين إلى تشكيل مقاومة شعبية في عدن والضالع ومناطق أخرى.
ومع انطلاق عملية عاصفة الحزم، تلقت هذه المقاومة دعمًا عسكريًا من التحالف العربي، ولا سيما من دولة الإمارات. وقد ولّد هذا الدعم لدى قطاع من الجنوبيين شعورًا بالوفاء، بل وبدرجة من الولاء تجاه الإمارات، بوصفها الطرف الذي وفر لهم—للمرة الأولى—دعمًا عسكريًا مباشرًا.
وفي هذا السياق، ترسّخ الاعتقاد بإمكانية بناء قوة عسكرية تحمي القضية الجنوبية، انطلاقًا من مقولة إن "الحق الذي لا تحميه قوة يضيع".
برز عيدروس الزبيدي في تلك المرحلة قائدًا للمقاومة الجنوبية، وعلى إثر ذلك عُيّن محافظًا لمحافظة عدن بين عامي 2015 و2017. وبعد إقالته بفترة وجيزة، أعلن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه حاملًا سياسيًا للقضية الجنوبية، مدعومًا بذراع عسكرية وبشبكة دعم خارجي، ما أسّس لمرحلة جديدة في مسار القضية الجنوبية وتفاعلاتها الإقليمية.
أين حضرموت من المشهد؟
في مطلع ديسمبر/كانون الأول 2013، اغتيل الشيخ سعد بن حبريش العليّي مع عدد من مرافقيه على يد عناصر من المنطقة العسكرية الأولى في مدينة سيئون. وعلى إثر الحادثة، تشكّل حلف قبائل حضرموت في هضبة حضرموت حيث تتركز الشركات النفطية بقيادة الشيخ عمرو بن علي بن حبريش، ابن شقيق الشيخ سعد.
ودعا حينها إلى هبّة شعبية للثأر لمقتل شيخ من الوزن الثقيل في حضرموت بدم بارد.
في تلك المرحلة، لم يكن لدى الحلف مشروع سياسي متكامل أو رؤية واضحة تتجاوز إطار المطالب القبلية، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى احتواء الأزمة عبر مسار تحكيم قبلي بين الدولة والحلف، دون أن تفضي إلى تحولات سياسية أوسع في بنية السلطة المحلية.
مع انطلاق عملية عاصفة الحزم في مارس/آذار 2015، شهدت حضرموت تحولًا مفصليًا بعد نحو شهر واحد فقط، إذ سيطر تنظيم القاعدة في أبريل/نيسان 2015 على مدينة المكلا.
وقد نظر كثيرون إلى هذا الحدث بوصفه عملية تسليم أكثر منه اجتياحًا عسكريًا، في ظل التساؤلات حول كيفية تمكن بضع مئات من المقاتلين -يُقدّر عددهم بنحو 300 عنصر—من السيطرة على عاصمة المحافظة، رغم وجود ألوية عسكرية كبيرة تحيط بالمدينة، غالبيتها قادمة من مناطق شمالية.
في أعقاب ذلك، عملت الإمارات على إنشاء قوات النخبة الحضرمية، من خلال معسكرات أُقيمت في هضبة ووادي حضرموت، أبرزها معسكري رماة والخالدية. وجرت الاستعانة بشخصيات عسكرية للإشراف على عملية التشكيل، من بينهم اللواء عبد الرحيم عتيق، واللواء فرج البحسني—الذي ستشهد مسيرته العسكرية والسياسية صعودًا لافتًا لاحقًا—إلى جانب حضور ضباط إماراتيين.
وشكّل أفراد حلف قبائل حضرموت القاعدة الأساسية لعمليات التجنيد في هذه القوات.
وفي أبريل/نيسان 2016، جرى تحرير مدينة المكلا بدعم جوي من التحالف العربي، وباهتمام إماراتي خاص، تجلّى في استمرار وجود عدد من الضباط الإماراتيين في مطار الريان، إلى حين إعلان انسحاب الإمارات من اليمن في أواخر عام 2019.
لم تُعلن قوات النخبة الحضرمية ولاءات قائمة على أسس مناطقية، كما تجنّبت قيادتها الخوض في أي تصريحات ذات طابع سياسي أو تبنّي توجهات أيديولوجية. وقد قدّمت هذه القوات نفسها بوصفها تشكيلًا أمنيًا محليًا مهمته الأساسية تأمين محافظة حضرموت وحمايتها من أي تهديدات.
وتمركز نطاق عمليات النخبة الحضرمية—التابعة للمنطقة العسكرية الثانية—في ساحل وهضبة حضرموت، في حين ظل وادي وصحراء حضرموت خاضعين لسيطرة المنطقة العسكرية الأولى، التي أعلنت ولاءها الظاهري للحكومة الشرعية، بينما ينحدر أغلب أفرادها من مناطق شمالية.
وفي عام 2017، أعلن الحضارم تأسيس كيان سياسي جامع لمختلف أطياف المجتمع، يضم القوى السياسية والمدنية والقبلية والاجتماعية، تحت مسمى "مؤتمر حضرموت الجامع".
وتتمحور رؤية المؤتمر حول ضرورة تحقيق تمثيل عادل لحضرموت في مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، استنادًا إلى معايير المساحة الجغرافية، وعدد السكان، وحجم المساهمة في ميزانية الدولة.
كما تبنّى المؤتمر مقاربة مرنة إزاء شكل الدولة المستقبلية، دون الارتباط بخيار سياسي محدد، سواء تعلّق الأمر بفيدرالية من ستة أقاليم، أو فيدرالية من إقليمين (شمال وجنوب)، أو حتى في إطار دولة جنوبية مستقلة، مكتفيًا بالدفاع عن حقوق حضرموت ضمن أي تسوية قادمة.
وقد أُسندت رئاسة مؤتمر حضرموت الجامع إلى الشيخ عمرو بن حبريش، الذي شغل في الوقت ذاته منصب رئيس حلف قبائل حضرموت، إلى جانب كونه وكيلًا أول لمحافظة حضرموت، بما يعكس تداخُل الأبعاد القبلية والإدارية والسياسية في تمثيل حضرموت داخل المشهد اليمني العام.
بداية تفجر الصراع
في عام 2019، تفجّر الصراع بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة في عدن، وانتهى بسيطرة المجلس على العاصمة المؤقتة وطرد الحكومة منها.
وفي السياق ذاته، اندلعت اشتباكات عسكرية في محافظة أبين بين قوات المجلس الانتقالي والقوات الحكومية، التي يرى الانتقالي أنّ حزب الإصلاح يهيمن عليها—بوصفه، من وجهة نظره، امتدادًا لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، وهي صفة ينفيها الحزب عن نفسه.
ومع تقدّم قوات الحكومة نحو مشارف عدن في محاولة لاستعادة السيطرة، فوجئت بتعرّضها لضربات جوية نفّذها الطيران الإماراتي. وقد أدانت الحكومة هذه الضربات، في حين عزّزت لدى المجلس الانتقالي شعورًا بالارتكاز إلى حلفاء إقليميين يمكن الاعتماد عليهم في لحظات الحسم.
سعت المملكة العربية السعودية إلى احتواء الأزمة، فجمعت الأطراف المتصارعة في مؤتمر الرياض الأول، الذي أسفر عن اتفاق يقضي بالمناصفة في تشكيل الحكومة بين الشمال والجنوب، ودمج جميع القوات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارة الدفاع، إلى جانب إعادة تعيين محافظي المحافظات.
غير أنّ البندين الأخيرين—دمج القوات وإعادة تعيين المحافظين—لم يُنفّذا فعليًا. وفي المقابل، كان لافتًا حصول مؤتمر حضرموت الجامع على حقيبة وزارة ضمن الحكومة، تمثّلت في وزارة التربية والتعليم، بما عكس حضورًا سياسيًا متزايدًا لحضرموت ضمن ترتيبات ما بعد الأزمة.
تآكلت عوامل الثقة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي بشكل شبه كامل، في ظل اقتراب الأخير، تدريجيًا، من تحقيق مشروعه القائم على الانفصال.
وفي هذا السياق، شرع المجلس في تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين، بدعم إماراتي واسع، مقابل غياب سعودي لافت عن مجريات المشهد الميداني في الجنوب.
وعلى غرار قوات النخبة الحضرمية، تأسست قوات النخبة الشبوانية عام 2016 بدعم وتمويل وتدريب إماراتي. وقد انتهى بها المطاف إلى بسط سيطرتها على كامل محافظة شبوة في عام 2022، بعد إخراج القوات الحكومية منها، وهي القوات التي يتهمها المجلس الانتقالي بالخضوع لتأثير حزب الإصلاح، ولا سيما قوات الأمن الخاصة بقيادة عبد ربه لعكب.
ويُشار إلى أنّ النخبة الشبوانية كانت قد تعرّضت لهزيمة عسكرية خلال محاولتها السيطرة على المحافظة أثناء أحداث عدن عام 2019، قبل أن يُعاد تنظيمها وتغيير تسميتها إلى قوات دفاع شبوة، لتعود لاحقًا وتنتزع السيطرة على المحافظة في 2022.
وبذلك، أحكم المجلس الانتقالي الجنوبي، وبدعم مباشر من دولة الإمارات، سيطرته العسكرية والأمنية على معظم محافظات الجنوب، ولم يتبقّ خارج هذا النفوذ سوى المنطقة العسكرية الأولى في وادي حضرموت، ومحافظة المهرة، التي لم تشهد حتى الآن أي مواجهات عسكرية مباشرة ضمن هذا السياق.
الواقع العسكري يصنع التحولات السياسية
في ظل بروز طارق صالح وقواته العسكرية المعروفة بحراس الجمهورية، وبدعم وتمويل إماراتي، لم تعد الحكومة الشرعية قادرة على فرض قراراتها على الأرض.
وقد استدعى هذا الواقع العسكري المستجد إحداث تحولات سياسية داخل بنية الشرعية، بما يتواءم مع موازين القوة الفعلية.
وفي هذا السياق، عملت السعودية، عبر مؤتمر الرياض الثاني عام 2022، على إعادة تشكيل رأس السلطة التنفيذية، من خلال إنشاء مجلس قيادة رئاسي في صيغة تفويض رئاسي ونقلٍ رسمي للسلطة من الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي.
تكوّن مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، وعضوية سبعة نواب، هم:
• عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي
• أبو زرعة المحرمي قائد قوات العمالقة الجنوبية المدعومة إماراتيًا
• فرج البحسني محافظ حضرموت وقائد المنطقة العسكرية الثانية
• عبد الله العليمي مدير مكتب الرئيس هادي سابقًا والمقرّب من حزب الإصلاح
• سلطان العرادة محافظ مأرب حيث تتركز القوة العسكرية الأساسية للشرعية
• عثمان مجلي، وهو شيخ قبلي من صعدة وقائد لمقاومة قبلية ضد الحوثيين
وبذلك، تشكّل المجلس من أربعة أعضاء ينتمون إلى الجنوب—وإن لم يكن جميعهم انفصاليين—وأربعة من الشمال، في محاولة لتحقيق توازن سياسي يعكس الجغرافيا وموازين القوة.
غير أنّ فترة قصيرة فقط مضت على تشكيل المجلس حتى أُقيل فرج البحسني من منصبيه محافظًا لحضرموت وقائدًا للمنطقة العسكرية الثانية. وفي تطور لافت، أُعلن لاحقًا تعيين كل من فرج البحسني وأبو زرعة المحرمي نائبين لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، في مشهد يعكس تناقضات سياسية واضحة؛ إذ تكتّل ثلاثة من أعضاء مجلس القيادة الرئاسي—وهو أعلى سلطة في الدولة—ضمن كيان سياسي يعمل على استكمال مشروع طويل الأمد يقوم، في جوهره، على السعي للانفصال عن الدولة نفسها.
درع الوطن وظهور الصراع في حضرموت إلى السطح
في مطلع عام 2023، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي تشكيل قوات درع الوطن، بوصفها قوة احتياط رئاسية تتبع مباشرة لرئيس المجلس، ولا تخضع لوزارة الدفاع.
وجاء تشكيل هذه القوات بدعم وتمويل سعوديَّين، لتُعدّ بذلك أول ذراع عسكرية سعودية مباشرة في المحافظات الجنوبية. وفي أغسطس/آب 2024، انتشرت قوات درع الوطن في منفذ الوديعة البري، الذي يُمثّل المنفذ البري الوحيد بين اليمن والمملكة العربية السعودية.
وفي سياق موازٍ، وبعد إقالة فرج البحسني من منصب محافظ حضرموت، جرى تعيين مبخوت بن ماضي محافظًا للمحافظة في يوليو/تموز 2022.
ومع هذا التعيين، بدأت تتشكل صراعات مكتومة بين المحافظ والوكيل الأول عمرو بن حبريش، على خلفية تنازع النفوذ داخل المحافظة. وظلت هذه الخلافات تحت السطح إلى أن خرجت إلى العلن في يوليو/تموز 2024، بالتزامن مع زيارة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إلى حضرموت.
إذ غادر عمرو بن حبريش مدينة المكلا متجهًا إلى منطقة العليب في هضبة حضرموت، ونصب هناك مخيمًا للاعتصام، استجاب له عدد كبير من أبناء حلف قبائل حضرموت.
وتقع منطقة العليب على الطريق الحيوي الوحيد الذي يربط مناطق الشركات النفطية بمدينة المكلا. وفي هذا الإطار، تقوم الشركة الوطنية لاستكشاف وإنتاج النفط "بترومسيلة" بتكرير كميات محدودة من مادة الديزل في مصفاة داخلية، قبل نقلها إلى المكلا لتغطية احتياجات توليد الكهرباء.
وقد جرى التحكم في تدفق هذه الكميات، بل وقطعها في بعض الأحيان، بوصفها ورقة ضغط على السلطة المحلية والحكومة المركزية، بهدف انتزاع مطالب تتعلق بالمكانة العادلة لحضرموت. وعلى الرغم من هذا التصعيد، صرّح بن حبريش في أكثر من مناسبة بأنه لا يعترف بشرعية مجلس القيادة الرئاسي.
دُعي الشيخ عمرو بن حبريش مرتين لزيارة السعودية، إلا أن الطلب قوبل بالرفض، قبل أن يوافق على المحاولة الثالثة خلال مارس/آذار 2025، حيث التقى بوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان.
عقب هذه الزيارة، بدأ بن حبريش برفع سقف مطالبه وصولًا إلى الحكم الذاتي، دون تقديم تصور تفصيلي واضح لهذا الطرح، الذي لم يكن مطروحًا أصلًا ضمن توافقات أو مخرجات مؤتمر حضرموت الجامع.
كما شرع في عملية تجنيد عسكري، وأعلن في أواخر يونيو/حزيران 2025 تأسيس قوات حماية حضرموت بقيادة اللواء مبارك العوبثاني.
صراع السعودية والإمارات في حضرموت
لم يلقَ تشكيل قوة عسكرية جديدة غير موالية للمجلس الانتقالي أو للإمارات قبولًا لدى أبوظبي والانتقالي، ولا سيما في مناطق النفوذ النفطي بحضرموت.
وعلى هذا الأساس، باشرا بإرسال تعزيزات عسكرية كبيرة من عدن إلى المكلا، في ساحل حضرموت، مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
وذهب بعض المحللين إلى أن هذا التحرك تم بضوء أخضر دولي، في إطار تصور يرى في المجلس الانتقالي القوة الأبرز في الجنوب، والقادرة على ضبطه، في ظل عدائه الصريح للإسلاميين—وفي مقدمتهم حزب الإصلاح—واستعداده المعلن للانخراط في مسارات تطبيع مستقبلية مع إسرائيل، ضمن استراتيجية إماراتية معلنة للمنطقة.
استباقيًا، سيطرت قوات حماية حضرموت مدعومة بحلف القبائل على منشآت النفط في هضبة حضرموت أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وتحصّنت داخلها.
في المقابل، تجاوزت الأرتال العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي الهضبة، واتجهت نحو وادي حضرموت، مطلقة عملية "المستقبل الواعد" في 3 ديسمبر/كانون الأول 2025، لتفرض سيطرتها على الوادي خلال يومين فقط.
وفي اليوم نفسه، وصل اللواء محمد القحطاني، رئيس اللجنة الخاصة السعودية التي أدارت الملف اليمني منذ سبعينيات القرن الماضي، في محاولة لاحتواء الأزمة.
وفي 5 ديسمبر/كانون الأول، تحركت قوة من اللواء السادس صاعقة التابع للمجلس الانتقالي لإخراج عناصر قوات حماية حضرموت المتحصنة داخل منشآت الشركات النفطية.
ونُظر إلى هذه الخطوة على نطاق واسع باعتبارها خرقًا فاضحًا لاتفاق أُبرم قبلها بيوم واحد فقط بين ممثلي السلطة المحلية وقوات حماية حضرموت، بضمانة سعودية مباشرة.
ومع استتباب الوضع الميداني، بشكل شبه كامل، لصالح المجلس الانتقالي في محافظة حضرموت، وسّع الأخير نطاق انتشاره ليشمل محافظة المهرة، دون خوض معارك، بعدما أعلنت المعسكرات هناك ولاءها له، بذريعة تجنّب إراقة الدماء.
لاحقًا، تطور الصراع السعودي–الإماراتي على نحو علني، عقب وصول رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى الرياض، حيث طالب المجلس الانتقالي بالانسحاب من محافظتي حضرموت والمهرة، ووجّه اتهامًا صريحًا للإمارات بالوقوف خلف تفجير الأزمة.
كما أصدر قرارًا بفرض حالة الطوارئ في البلاد، وأعلن إنهاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، مطالبًا إياها بالانسحاب من اليمن خلال 24 ساعة.
وفي حين نشأت القضية الجنوبية في الأصل بوصفها تعبيرًا عن مظلومية اجتياح عسكري وتهميش سياسي وإقصاء ممنهج، وتطورت عبر مسارات نضالية سلمية وثورية، فإن المجلس الانتقالي—الذي بدأ بوصفه حاملًا سياسيًا لتطلعات الجنوبيين—انتهى، بفعل الدعم الإماراتي، إلى التحول إلى أداة ضمن استراتيجية إماراتية أوسع في الإقليم، تتقاطع مع الاستراتيجية الإسرائيلية.
أما حضرموت، التي عاشت بدورها مظلومية مشابهة، فلم يتبلور لديها، تاريخيًا، مشروع سياسي ذاتي مستقل. غير أنّ القفزة المفاجئة بسقف المطالب نحو الحكم الذاتي فتحت الباب أمام تأويلات متعددة، يرى بعضُها أنّ هذا الطرح يعني تأسيس لقضية حضرمية منفصلة عن سياقات القضية الجنوبية.
