التحالف القلق: حقيقة العلاقة بين تركيا والحكام الجدد في سوريا
شهدت العلاقة بين تركيا والقيادة السورية الجديدة تطورًا لافتًا. فما بدأ، قبل سقوط بشار الأسد، كشراكة اضطرارية يشوبها قدر كبير من انعدام الثقة المتبادل، تحول لاحقًا إلى تحالف رسمي. إلا أن هذه العلاقة ما تزال تتسم بالاحتكاك أكثر من الانسجام.
فهي ليست علاقة تبعية، بل شراكة تقوم على الاعتماد المتبادل، حيث تتبنى دمشق، التي أصبحت أكثر ثقة بنفسها، سياسات مستقلة في كثير من الأحيان، بل وتتحدى أنقرة بصورة مباشرة أحيانًا. ومع ذلك، فإن محاولات سوريا توسيع شبكة تحالفاتها وزيادة هامش المناورة والاستقلال تصطدم بحقيقة ثابتة، وهي أن النظام السوري الجديد لا يزال يعتمد على الدعم التركي. وفي نهاية المطاف، يبقى الدور التركي في القطاع الأمني الضامن الأساسي لاستقرار سوريا.
يستند هذا التحليل إلى مقابلات حصرية مع مسؤولين كبار في الحكومة السورية، وضباط عسكريين واستخباراتيين، إلى جانب شخصيات دولية تتعامل مع قيادتي البلدين.
بدأت العلاقة بين حكام سوريا الحاليين وأنقرة وسط انعدام ثقة عميق من الطرفين.
ويقول وسيط مستقل عمل مع الحكومة التركية إن تركيا كانت بحاجة إلى شريك محلي موثوق للتعامل مع انتشار الجماعات الجهادية في إدلب، لأنها لم ترغب في قتال تلك الجماعات بشكل مباشر.
وبحسب المصدر نفسه، كان هناك في البداية قدر كبير من التحفظ داخل المؤسسة الأمنية التركية تجاه التعامل مع الفصيل الجهادي الذي قاده آنذاك الرئيس السوري الانتقالي الحالي أحمد الشرع. لكن هيئة تحرير الشام أثبتت أنها شريك مفيد في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، كما أنها قوة منظمة تمكنت من فرض النظام في محافظة إدلب الحدودية التي كانت تؤوي نحو ثلاثة ملايين سوري، ما مكنها، وهو الأمر الأهم بالنسبة لأنقرة، من منع تدفقهم بأعداد كبيرة إلى داخل تركيا.
أما بالنسبة لهيئة تحرير الشام، فقد كان قبولها بالشراكة مع تركيا العلمانية اعتبارًا من عام 2018 محل جدل كبير داخل صفوفها، وأدى إلى انقسامات بين قادتها ومقاتليها. غير أن الهزائم المتكررة التي تعرضت لها فصائل المعارضة السورية دفعت الهيئة إلى الإقرار بأنها لم تعد قادرة على الدفاع عن إدلب بمفردها.
وتوسعت العلاقة بعد التدخل العسكري التركي في إدلب مطلع عام 2020 لوقف هجوم قوات نظام الأسد والميليشيات المدعومة من إيران وسلاح الجو الروسي، لتتشكل بذلك شراكة مضطربة بين الطرفين.
ورغم ذلك، فإن الفترة الممتدة بين عام 2020 وسقوط الأسد في ديسمبر 2024 اتسمت بخلافات مستمرة. ففي وقت بدا فيه أن بقاء الأسد في السلطة أصبح أمرًا مسلمًا به، بدأت دول عربية بإعادة تطبيع علاقاتها مع نظامه، وحاولت تركيا بدورها استكشاف هذا المسار، الأمر الذي أثار قلقًا واستياءً كبيرين لدى فصائل المعارضة السورية وسكان المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في شمال سوريا، والتي كانت تتمتع بالحماية التركية.
ورغم التصريحات العلنية المتكررة الصادرة عن مسؤولين أتراك، بمن فيهم الرئيس أردوغان، بشأن إمكانية لقاء الأسد، فإن دمشق رفضت تلك المبادرات حتى الأشهر الأخيرة من حكم بشار الأسد، مشترطة انسحاب القوات التركية من شمال سوريا قبل أي تقارب.
وكان أحد أبرز مصادر التوتر بين هيئة تحرير الشام وتركيا هو سعي الهيئة المستمر إلى توسيع نفوذها. وإذ لم تكن قادرة على التقدم نحو مناطق النظام، اتجهت للتوسع في ريف حلب الشمالي، الخاضع للنفوذ التركي المباشر، بالتعاون مع فصائل موالية لأنقرة تعمل تحت مظلة ما يسمى الجيش الوطني السوري.
وكانت تركيا قد أنشأت هذا التشكيل عام 2016 من فصائل المعارضة السابقة، واستخدمته في قتال قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي ترتبط قيادتها الكردية تنظيميًا بحزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي يخوض تمردًا ضد الدولة التركية منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وفي 20 يونيو 2022، دخل مئات من مقاتلي هيئة تحرير الشام إلى منطقة عفرين وسيطروا على بلدة جنديرس، التي كانت خاضعة لسيطرة الجيش الوطني السوري، سعيًا إلى توسيع نفوذهم والسيطرة على الحواجز الواقعة بين إدلب ومناطق الجيش الوطني، والتي كانت تشكل موردًا ماليًا مهمًا من خلال الرسوم المفروضة على حركة المركبات.
لكن الهيئة اضطرت إلى الانسحاب بعد ثلاثة أيام إثر تهديدات تركية. وكما أوضح باتريك هيني وجيروم دريفون في كتابهما "طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا"، فإن هذه الخطوة ألحقت ضررًا كبيرًا بعلاقات الهيئة مع أنقرة.
ورغم تجاهل هيئة تحرير الشام للسياسة التركية الرامية إلى الحفاظ على السيطرة الكاملة على مناطق الجيش الوطني، أمر أحمد الشرع، الذي قاد الهيئة آنذاك، بشن توغل ثانٍ في أكتوبر 2022، متجاوزًا اعتراضات قيادات داخل الهيئة رأت ضرورة التخلي عن الطموحات التوسعية في ظل الرفض التركي. ووفقًا لمسؤول أمريكي، هددت تركيا هذه المرة بشن غارات جوية ضد الهيئة، ما أجبرها مجددًا على الانسحاب.
وتجدد التوتر بين تركيا وهيئة تحرير الشام في أواخر عام 2023، عندما انشق أبو أحمد زكور، المسؤول عن إدارة المصالح المالية للهيئة وعلاقاتها مع العشائر، وفر إلى المناطق الخاضعة للسيطرة التركية في ريف حلب الشمالي.
وأرسلت الهيئة قوة مسلحة لملاحقته في مدينة أعزاز، وحاولت اعتقاله. وبعد أن هددت بتفجير المنزل الذي يتحصن فيه، استسلم زكور، لكن أثناء نقله إلى إدلب اعترضت القوات التركية القافلة، وحررته ونقلته إلى مكان آمن.
وبحسب عناصر من فصيل سلطان مراد التابع للجيش الوطني السوري، والذي وفر الحماية لزكور خلال وجوده في ريف حلب الشمالي، فقد قدم عبرهم معلومات واسعة إلى الجانب التركي حول التوازنات الداخلية داخل هيئة تحرير الشام. وبعد سقوط نظام الأسد، تصالح زكور مع الهيئة، وأصبح اليوم يتولى الإشراف على ملف تواصل الحكومة السورية مع العشائر.
وفي ظل العجز عن تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، فضلت تركيا الإبقاء على الوضع القائم في إدلب. وكانت قوات النظام تواصل قصف المناطق المقابلة لخطوط التماس بصورة مستمرة، ما أدى إلى إفراغها من سكانها. ودفع ذلك هيئة تحرير الشام إلى التخطيط لعملية تهدف إلى دفع خطوط الجبهة جنوبًا بما يسمح بعودة النازحين، وهي العملية التي حملت اسم "ردع العدوان"، والتي انتهت في نهاية المطاف بسقوط نظام الأسد.
وبحسب مصادر أمريكية، ومسؤولين في الحكومة السورية، ومصادر من الجيش الوطني السوري، إلى جانب وسطاء مستقلين على اتصال مباشر بالقيادتين التركية وهيئة تحرير الشام، فإن أنقرة عارضت هذه الخطة. فمنذ التدخل الروسي في سوريا عام 2016، كانت جميع المعارك الكبرى ضد نظام الأسد تؤدي إلى دمار واسع ونزوح جماعي، وأحيانًا إلى خسارة المعارضة لمزيد من الأراضي. وخشيت تركيا أن يؤدي تجدد القتال إلى موجات نزوح جديدة نحو حدودها.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية السورية: "لم يكن الأتراك يريدون بقاء نظام الأسد، لكنهم اعتقدوا أن الهجوم لا يستحق خوض هذه المعركة. واعتبروا أن الأمر سيرتد عليهم"، في إشارة إلى خشيتهم من تدفق اللاجئين إلى تركيا. ووفقًا لمسؤولين سوريين، أوضحت أنقرة موقفها الرافض للهجوم إلى أسعد الشيباني، الذي كان آنذاك مسؤول العلاقات الخارجية في هيئة تحرير الشام، ويشغل حاليًا منصب وزير الخارجية السوري.
ورغم ذلك، قررت هيئة تحرير الشام المضي في تنفيذ العملية. ففي بدايتها اعتمدت على نحو عشرة آلاف مقاتل فقط، وكانت أهدافها محدودة نسبيًا، إلا أن العملية تحولت سريعًا إلى تقدم عسكري واسع عبر البلاد، انتهى بالسيطرة على دمشق، مستفيدة من الانهيار الكارثي لجيش الأسد، وضعف الدعم الذي تلقاه من الميليشيات المدعومة من إيران وروسيا.
وبحسب عدد من قادة الجيش الوطني السوري، فقد تلقوا في اليوم الثاني من الهجوم تعليمات من الاستخبارات التركية بعدم المشاركة في العملية. غير أن المقاتلين والقادة الميدانيين داخل الجيش الوطني كانوا متحمسين للانضمام إلى الهجوم، ما دفع كبار قادة الفصائل إلى إبلاغ الأتراك بأنهم فقدوا السيطرة على بعض وحداتهم.
واتفقت جميع المصادر السورية والأمريكية الذين تحدثت إليهم الكاتبة، إضافة إلى الوسطاء المستقلين، على أن الموقف التركي تغير بسرعة. وقال أحد المسؤولين السوريين: "ما إن شعرت تركيا، ولو بدرجة بسيطة، بأن الأمور ستكون مختلفة هذه المرة، حتى قالت: نحن معكم، وامضوا حتى النهاية".
...
تواجه الدولة السورية الجديدة وضعًا بالغ الهشاشة؛ فهي لا تزال عاجزة عن فرض سيطرتها الكاملة حتى على أراضيها، وتواجه ثلاث حركات تمرد مختلفة على الساحل، وفي البادية، وفي الشرق، فضلًا عن الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوب سوريا. ولذلك تحتاج دمشق إلى شركاء أمنيين موثوقين لسد الفراغ الأمني القائم.
وبحكم العلاقات التاريخية التي تربط تركيا بفصائل المعارضة السورية عمومًا، وهيئة تحرير الشام خصوصًا، أصبحت أنقرة الشريك الأمني الأهم بالنسبة لدمشق.
ومع ذلك، ورغم هذا الاعتماد الواضح على تركيا، فإن دمشق تسعى إلى الحفاظ على استقلالية قرارها. فقد تطورت الجماعة الجهادية التي أسسها أحمد الشرع، والمعروفة سابقًا باسم جبهة النصرة، من خلية صغيرة تضم نحو عشرين عنصرًا أواخر عام 2011، إلى القوة الحاكمة في سوريا، وذلك بفضل سعي قيادتها المستمر، وأحيانًا القاسي، إلى توسيع نفوذها وإحكام سيطرتها. ومن يخوض هذا القدر من المخاطر ويقدم هذه التضحيات للوصول إلى السلطة، لا يكون مستعدًا، بعد أن يحقق هدفه، لأن يتحول إلى أداة أو تابع لأي دولة.
ومنذ نشأتها، استمرت الشراكة الصعبة بين هيئة تحرير الشام وتركيا لأن مصالح الطرفين فرضت استمرارها. فقد امتلكت الهيئة دائمًا قدرًا مهمًا من النفوذ وأوراق القوة، لأن العلاقة قامت على الاعتماد المتبادل. وبعد سقوط الأسد، تطورت هذه الشراكة إلى تحالف رسمي، ومع أن دمشق أصبحت أكثر جرأة واستقلالية في مواقفها، فإن ذلك لم يضعف العلاقة مع أنقرة، لأن الأساس الذي تقوم عليه لا يزال هو تلاقي المصالح المشتركة.
