مستقبل خطة ترامب في غزة

    أحمد مولانا
    أحمد مولانا
    الإثنين 17 نوفمبر 2025
    مستقبل خطة ترامب في غزة

    مستقبل خطة ترامب في غزة

    أفضى اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بين إسرائيل وحركة حماس في التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول 2025 إلى بدء مرحلة جديدة في تاريخ قطاع غزة. لم ينه الاتفاق الحرب بمفهومها السياسي، وإنما دشن خطوة أولى لمسار تسوية مؤقتة ضمن خطة أوسع طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتوافق مع متطلبات واشنطن.

    في جوهرها، تقوم خطة ترامب على فرضية أن الحرب قد أنهكت جميع الأطراف بما يكفي لتمرير تسوية جزئية، فإسرائيل لم تتمكن من تحقيق نصر كامل رغم الخسائر البشرية والدمار الكبير الذي أحدثته بغزة وبنيتها التحتية، وفي المقابل فقد خسرت حماس معظم قادتها وتعرضت شبكاتها التنظيمية لضربات قاسية، لكنها لم تُستأصل وبقيت قادرة على الحفاظ على تماسكها وإدارة عمليات مقاومة محدودة.

    تهدف خطة ترامب إلى ضبط الواقع الميداني في غزة وتثبيت الهدوء بما يخدم مصالح كيان الاحتلال ضمن صيغة تُعطي الأولوية لتأمين إسرائيل ومنع عودة عمليات المقاومة، مع الإبقاء على إدارة القطاع ضمن إشراف دولي مباشر يحدّ من نشاط الفصائل الفلسطينية.

    ماذا تريد واشنطن؟

    دفعت المعادلة الصعبة في غزة واشنطن إلى طرح تصور يقوم على استبدال الاحتلال المباشر بنظام إشراف متعدد الأطراف يضمن أمن إسرائيل ويقوض قدرة المقاومة على إعادة بناء قوتها. وقد حرصت إدارة ترامب على أن تُقدَّم الخطة باعتبارها نهاية للحرب وخطة إنسانية لوقف القتل وإعادة الإعمار، لكنها في جوهرها لم تناقش حقوق ومطالب أهل غزة مثل رفع الحصار والاعتراف بدولة فلسطينية لها سيادة، وضمان وقف الاعتداءات الإسرائيلية، ولم تحدد حتى جداول زمنية للانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.

    وقد برز ضمن خطة ترامب بند تشكيل "مجلس السلام الدولي لإدارة غزة"، وهو إطار إداري وسياسي يُفترض أن يقوده ترامب شخصيًّا ويضم ممثلين غربيين وعربًا بحيث يتولى الإشراف على الإنفاق المخصص لإعادة الإعمار، وإدارة المساعدات والخدمات عبر لجنة تكنوقراط فلسطينية تُعيَّن بالتوافق مع الأطراف العربية والدولية.

    وسيعمل هذا المجلس كسلطة وصاية تُنسق بين الأطراف المانحة وتراقب أداء الجهات المحلية. أما الدور الإسرائيلي فسيستمر من خلال الرقابة الأمنية وتحديد مجالات الحركة داخل القطاع، في حين تمثل اللجنة الفلسطينية واجهة تنفيذية محدودة الصلاحيات، ما يعني نقل إدارة غزة من نمط السيطرة العسكرية المباشرة إلى رقابة مدنية دولية، مع بقاء القرار الأمني والسياسي مرتبطًا بالمحددات الإسرائيلية.

    ويتكامل هذا البعد الإداري مع مكوّن أمني تقوم فكرته على نشر قوة استقرار متعددة الجنسيات تحت إشراف المجلس الدولي بحيث تشارك فيها دول عربية وإسلامية إلى جانب عناصر غربية، وتختص بالإشراف على نزع سلاح فصائل المقاومة، ومراقبة الهدنة، ومنع تهريب السلاح.

    جدل نزع السلاح

    يحتل ملف نزع السلاح موقعًا مركزيًّا في خطة ترامب. فإسرائيل ترفض الانسحاب من أي منطقة داخل غزة دون ضمان تجريد الفصائل من الأسلحة والأنفاق. فيما يعرض بعض الوسطاء مقترح تخزين سلاح الفصائل الفلسطينية تحت إشراف لجنة عربية لمنع استخدامه.

    وتستهدف هذه الآلية تعطيل القدرات القتالية للمقاومة تدريجيًّا عبر آليات رقابة فنية وإدارية تفرضها القوة الدولية، وتربط أي خرق بوقف عمليات إعادة الإعمار المرتقبة. ومن خلال هذا الترتيب، ستُعد قضية السلاح ملفًا أمنيًّا يخضع للمراجعة الدورية، فيما تصر إسرائيل على استمرار سيطرتها على المعابر والحدود بحجة منع تهريب السلاح.

    وتُعارض إسرائيل مشاركة تركيا في القوة الدولية، بحجة أن وجود قوات تركية سيوفر مظلة حماية لحركة حماس، وتفضّل أن تتكون القوة من دول مثل مصر والمغرب وباكستان وأذربيجان، مع دعم فني من الولايات المتحدة، فيما تريد واشنطن إشراك أنقرة بحجة قدرتها على إلزام حماس بالاتفاق. ورغم أن هذه الصيغة تُعرض بوصفها وسيلة لضمان الاستقرار، فإنها عمليًّا تنقل جزءًا من مهام الاحتلال إلى مظلة دولية، وتُبقي لإسرائيل حرية التدخل العسكري عند الحاجة بذريعة مكافحة التهديدات، فيما سيمثل نزع السلاح دون مقابل سياسي خسارة من منظور الفصائل الفلسطينية، ويتوقع أن تعارضه عمليا بعض الفصائل.

    إعادة الإعمار والأهداف السياسية

    من الناحية الاقتصادية، يُفترض أن تُدار عملية الإعمار عبر صندوق ائتماني دولي يضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج واليابان، ويخضع لإشراف الأمانة التنفيذية لمجلس السلام الدولي على أن تُصرف المساعدات على مراحل مشروطة بتقارير الالتزام بالمعايير الأمنية. كما تُنشأ أنظمة تتبع رقمية لمراقبة حركة مواد البناء وتقييد استخدامها لمنع استخدامها في بناء أنفاق.

    ولكن حتى الآن تعرقل إسرائيل دخول معدات ومواد ضرورية لبدء عمليات رفع الأنقاض وبناء خيم للسكان، ويبدو أنها تريد إدامة حالة المعاناة اليومية لأهل غزة بهدف الضغط عليهم للهجرة الطوعية مستقبلًا في ظل صعوبة الحياة بمثل هذه الظروف في القطاع المدمر.

    في الجانب السياسي، تطرح واشنطن خيار تشكيل إدارة فلسطينية من التكنوقراط تتولى إدارة الخدمات المدنية، على أن تُجرى انتخابات بلدية ثم تشريعية ورئاسية لاحقًا. غير أن هذا التصور يصطدم بعقبات عدة، أهمها غياب توافق وطني فلسطيني حول آليات المرحلة الانتقالية، وافتقار سلطة رام الله إلى الشرعية الشعبية، ورفض إسرائيل لأي شخصية تدير غزة مقربة من حماس أو حتى من السلطة الفلسطينية. نتيجة لذلك، يُرجّح وفق خطة ترامب أن يستمر الوضع المؤقت لفترة طويلة، حيث تبقى الإدارة الفلسطينية المحلية محدودة الصلاحيات، في ظل إشراف دولي مباشر ورقابة أمنية إسرائيلية متواصلة.

    كذلك تسعى واشنطن إلى توظيف ترتيبات غزة لدمج إسرائيل بشكل أعمق في بنية الإقليم. فإعادة الإعمار تُقدَّم بوصفها مشروعًا تنمويًّا مشتركًا يمكن أن يجمع الدول العربية وإسرائيل في شبكة اقتصادية جديدة، كما يُفتح الباب لانضمام السعودية ودول أخرى إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، ما يخدم الرؤية الأمريكية بأن تصبح إسرائيل مركز إدارة المنطقة، في حين تتفرغ واشنطن لملفات أخرى.

    أما مصر، فتنظر إلى الخطة كفرصة لتعزيز دورها الإقليمي، ولربط عقود إعادة الإعمار بعقود مع شركات مصرية، مع تدريب قوات الأمن الفلسطينية التي ستدخل القطاع بإشراف المجلس الدولي. كما يمكن أن ترحب إقامة مناطق صناعية مشتركة على الحدود المصرية الفلسطينية.

    تحديات أمام الخطة

    تحاول واشنطن إظهار خطة ترامب كمسار واقعي لتحقيق الاستقرار، لكن الأساس الذي تقوم عليه يجعلها قابلة للاهتزاز. فهي تربط الأمن بالمساعدات دون معالجة جذور الصراع، وتُحوّل القضايا السيادية إلى ملفات أمنية قابلة للتعليق والمراجعة. كما أن رهانها على الإنهاك الشعبي في غزة لتثبيت الهدنة يتجاهل ردود الفعل على جرائم الاحتلال. ففي ظل غياب أي أفق سياسي حقيقي، ستظل الترتيبات القائمة معرّضة للتآكل مع مرور الوقت، فضلًا عن الشكوك المبررة في مدى التزام إسرائيل ببنود الاتفاق، علاوة على أن البيئة الإقليمية والمشهد الدولي يمران بتقلبات يُرجح أن تؤثر في أولويات واشنطن، وفي الاستقرار بالمنطقة، ما يجعل فلسطين دومًا ساحة للصراع والتدافع.

    أحمد مولانا

    أحمد مولانا

    ماجستير علاقات دولية، باحث في مجال الدراسات الأمنية والسياسية

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *