سوريا الجديدة: نجاحات خارجية وتحديات داخلية
يلاحظ المراقب للوضع السوري بعد إسقاط النظام البائد، نجاحات كبيرة حققتها السياسة السورية الخارجية، فالفصيل الرئيس في الدولة الجديدة رُفع عن قائمة الجماعات المصنفة إرهابية، وكذا رئيس الدولة الجديد الذي رصدت الولايات المتحدة على رأسه فيما سبق عشرة ملايين دولار، بل نال الاعتراف الدولي به رئيسًا لسوريا الجديدة، ورُفِعَت العقوبات الدولية وعلى رأسها عقوبات قيصر، فضلًا عن عقوبات أخرى فُرِضت منذ الثمانينيات، وعُقِدَت مؤتمرات اقتصادية لبدأ استثمارات كبرى، وفرشت الدول العربية والأجنبية السجاد الأحمر لاستقبال الرئيس الجديد ووزير خارجيته، وعاد علم سوريا الجديد للحضور في جميع المنظمات الدولية.
أما في السياسة الداخلية فتبدو الصورة باهتة، لا تجاري النجاح في الخارج، فلم تتمكن الإدارة الجديدة من إعادة توحيد البلاد، ولا حل المعضلات الاقتصادية المتفاقمة، ولا تزال تعتمد على نظام بيروقراطي متهالك ورثته من النظام البائد بعيد عن التقنية وتتخلله عوامل الفساد والمحسوبية. ولم تتمكن حتى الآن من إنشاء مؤسسة عسكرية جامعة فاعلة تضمحل فيها جميع المكوّنات السابقة من فصائل وجماعات، وهذا ينطبق على المؤسسة الأمنية الوليدة التي لم تتمكن من كسب ثقة المجتمع السوري بأكمله حتى الآن. وتعرضت مساعي الدولة لبسط السلم الأهلي وتوحيد البلاد لانتكاستين في كل من الساحل والسويداء.
خلفيات النجاح الخارجي: خطاب متزن وانسجام مع المصالح الإقليمية والدولية
يعود نجاح السياسة السورية الخارجية في المقام الأول، إلى أن الإدارة الجديدة اتبعت خطابًا محسوبًا منسجمًا مع الإقليم ومع سياسة الدول الكبرى التي لها مصالح وأدوات في سوريا متمثلة بقواعد عسكرية وشبكات نفوذ وعقوبات وأوراق ضغط كثيرة، فكان خطاب السلام ونبذ الحرب والانتقام والعمل على تجاوز المرحلة السابقة متَّسقًا مع خطاب هذه الدول وعامل قبول كبير لديها.
لقد أُرهقت دول الإقليم من مشكلات تدفق اللاجئين وتصنيع الكبتاغون وضخه إليها، ومن البيئة الخصبة للإرهاب التي تشكلت بفعل ولوغ نظام الأسد في القتل والتدمير وانتهاك الحرمات على أسس طائفية، كما أدى فشل الدولة السورية في عهد الأسد إلى نشأة كيانات تهدد استقرار الدول المجاورة، واضطرها إلى التدخل العسكري. فوجدت دول الإقليم في سقوط نظام الأسد فرصة للتخلص من هذه المشكلات بعدما أعيتها الوسيلة في التفاهم معه، وبعد أن قدَّمت له الكثير من العروض والتسهيلات ليكفيها شروره، فلم تر منه غير المراوغة والكذب.
أما على الصعيد الدولي، فقد بات واضحًا نزوع الولايات المتحدة لتقليل وجودها العسكري في المنطقة سعيًا منها للتفرغ لمواجهة الصين. وتجد الولايات المتحدة أن من مصلحتها الوصول إلى سوريا موحدة ومستقرة، تكفيها مؤونة التواجد العسكري لضبط تفاعلات المنطقة وما تفرزه من حركات وأيديولوجيا تخالف مصلحتها. ومن الملاحظ وصف الرئيس ترامب للرئيس السوري أحمد الشرع بأنه رجل قوي؛ إذ يبدو أن صفة القوة هي ما تريده الولايات المتحدة في أي دولة جديدة، بحيث تتمكن من فرض الاستقرار وحفظ المصالح الغربية بعد سنوات من الحرب.
وبالمثل وجدت روسيا أن بوسعها الحفاظ على قواعدها الاستراتيجية في سوريا بالتوافق مع الإدارة الجديدة. وعلى المستوى الإقليمي وجدت تركيا في النظام الجديد حليفًا استراتيجيًّا يعزز مصالحها الإقليمية، وكذلك وجدت العديد من دول المنطقة فرصة في إنهاء النفوذ الإيراني وبسط الاستقرار في المنطقة.
جذور التعثر الداخلي: تعدد الفاعلين وإرث ثقيل
أما تعثُّر السياسة الداخلية فله جوانب وأسباب عديدة، فالفاعلون على المستوى الداخلي متعددون، ولا تقتصر القدرة في التأثير على الدولة وحدها، وأحد الفاعلين تنظيم الدولة الذي خسر مشروعه في مقابل نجاح مشروع هيئة تحرير الشام، إذ يحرص على إفشال مشروعها بكل الوسائل. وعلى الصعيد العسكري لا يزال المشهد يعاني تعدد الفاعلين مثل قسد المستفيدة من التواجد الأمريكي، والفصائل الدرزية التي استغلت التدخل الإسرائيلي للاحتفاظ بسلاحها ومناطقها خارج سلطة الدولة، كما تمانع العديد من الفصائل العسكرية التي نشأت في حالة الثورة عملية الدمج والانصهار الكامل.
من جهة أخرى، أولت القيادة السورية اهتمامًا ملحوظًا بالسياسة الخارجية على حساب السياسة الداخلية، معتبرةً أن تحقيق الاستقرار الداخلي يمر عبر وقف التدخلات الخارجية في الشؤون المحلية، إلا أن هذا التوجه، رغم ما حققه من إنجازات دبلوماسية ملموسة، أسهم بشكل غير مباشر في إضعاف التماسك الداخلي، حيث ترافق مع إهمال نسبي للقضايا الداخلية المُلِحَّة.
التحدي الاقتصادي: إرث من الدمار والفساد
وعلى الصعيد الاقتصادي فلم ترث الدولة الجديدة إلا أنقاض اقتصاد، حطمته الحرب الطويلة ونخره الفساد المركَّز، وأفقره خروج مناطق الثروات النفطية والزراعية عن السيطرة، كما فاقمت العقوبات الدولية الأزمة الاقتصادية، ما يطيل من الفترة الزمنية اللازمة لظهور الآثار الإيجابية المتوقعة من رفع تلك العقوبات أو تنفيذ المشاريع الاستثمارية. فالتدهور العميق الذي لحق بالبنى التحتية والقطاعات الإنتاجية يتطلب وقتًا طويلًا للإصلاح، كما أن تداعيات العقوبات طويلة الأمد خلقت اختلالات هيكلية تجعل عملية التعافي الاقتصادي أعقدَ وأبطأ مما كان متوقعًا.
التحدي المجتمعي: استعادة السلم الأهلي
وعلى الصعيد المجتمعي فقد أحال نظام الأسد التنوع الإثني والديني والطائفي في سوريا وبالًا عليها، وكرَّس بسياساته خلال سنوات الثورة الانقسام والعداء الطائفي، وباتت استعادة السلم الأهلي والحفاظ عليه عملية شاقة. حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي بفعل الاحتقان الداخلي والتحريض الخارجي إلى ساحات لتبادل الاتهامات، وغدا المجتمع يعيش في حالة استنفار دائمة؛ حيث تكفي منشورات أو مقاطع فيديو لإشعال اشتباكات، كما جرى مرارًا.
لقد تبنت الدولة الجديدة سياسة العفو الشامل، مع استثناء كبار المجرمين وقادتهم، وذلك كخيار استراتيجي لاحتواء دوامة العنف والانتقام العشوائي ما وضع الدولة أمام معادلة صعبة، فيما وضع المجتمع الدولي حماية الأقليات ومنع أعمال الانتقام على رأس أولوياته لقبول الدولة الجديدة، بينما تولي الحاضنة الشعبية للثورة والدولة الجديدة الأولويةَ القصوى لتحقيق العدالة، وهذا يضيف مزيدًا من الأعباء على الدولة الجديدة للموازنة بين المطلبين المُلِحَّين.
مفارقة حرية التعبير
تنشأ أيضًا مشكلة طبيعية عند انهيار أي نظام استبدادي، وهي التوق الجارف للتعبير عن الرأي بعد أجيال من الكبت وتكميم الأفواه، دون مراعاة لحدود التعبير الذي قد يستحيل اعتداءً أو تحريضًا أو جريمة أو نيلًا من هيبة الدولة وقيمها. وتعاني الإدارة الجديدة من مفارقة إتاحة حرية التعبير، وهو سبب رئيس لقيام الثورة، وضبط هذه الحرية وتحويلها إلى ممارسات مسؤولة تخدم عملية البناء.
ما الذي تحتاجه الإدارة الجديدة
القوة الحقيقية للدول تنبع من قدراتها الذاتية وتماسكها الداخلي، ويستدعي معالجة إرث الماضي بالاعتماد على نموذج تشاركي يعزز الوحدة الوطنية، ويشرك المجتمع المحلي في صياغة مستقبل الدولة وبناء مؤسساتها، وتحميل السوريين بكافة مكوناتهم عبء النهوض بهذا الإرث الثقيل.
وإن بناء مؤسسات الدولة يبدأ من بناء الإنسان، الذي يحمل قيم الثورة ومبادئها، وخصوصًا عناصر الأمن والجيش الجديد، الذين أدى التسرع في قبول بعضهم ونقص تدريبهم الى حدوث أخطاء جسيمة لا تزال الدولة الجديدة تدفع ثمنها.
كما أن معالجة المشكلات التي يثيرها فلول النظام البائد لا تقتصر على الحل الأمني أو العسكري فحسب، بل تتعداها إلى الجانب الاجتماعي، كما يسهم تحسُّن الأوضاع الاقتصادية في فصل الفلول عن الفئات الاجتماعية التي يسعون للزج بها في أتون صراع مع السلطة الجديدة، كي ينقذوا أنفسهم وينجوا من المحاسبة على جرائمهم، ولا بُدَّ من العمل على إفراز قيادات مجتمعية جديدة تحل محل تلك التي فرضها النظام وورطها بجرائمه.
وتبرز حاجة ملحة لبذل جهود أكبر في حشد واحتواء مختلف تيارات الشعب السوري، وخاصة قوى الثورة والمعارضة الوطنية، ضمن مشروع وطني شامل يستوعب الطاقات كافة، ويوجهها نحو المشاركة البناءة في عملية إعادة الإعمار والتنمية، بدلًا من تهميشها وإبقائها في دائرة النقد السلبي الذي قد يتحول في بعض الأحيان إلى هدم للإنجازات بدلًا من المساهمة في البناء.
الخاتمة: بين تألق الخارج وتعثر الداخل
في المحصلة، تبدو السياسة السورية الجديدة خَطَت خطوات واسعة على الساحة الدولية، محققةً اختراقات لم تكن في الحسبان، لكنها في الداخل لا تزال تتعثر أمام تركةٍ ثقيلة من الانقسامات والدمار والاقتصاد المنهار. وبين تألق الخارج وتعثّر الداخل، يظل مفتاح النجاح مرهونًا بقدرة الإدارة على تحويل الشرعية الدولية التي نالتها إلى رصيد داخلي يعيد بناء الدولة، ويصوغ عقدًا اجتماعيًّا جديدًا يحفظ الاستقرار ويضمن العدالة، فالرهان الحقيقي لا يُكسب في المؤتمرات ولا على السجاد الأحمر، بل في قدرة الدولة على ترميم الداخل ليكون الركيزةَ الصلبة لأي حضور خارجي ذي شأن.
