قد تخسر الولايات المتحدة الخليج

    مارك لينش
    مارك لينش
    الجمعة 13 مارس 2026
    قد تخسر الولايات المتحدة الخليج

    قد تخسر الولايات المتحدة الخليج

    إن قصف إيران لجيرانها في الخليج جرّهم، على نحو لا فكاك منه، إلى حرب كانوا يأملون بشدة تجنبها. ويمثل احتمال دخول الإمارات وقطر والسعودية في حرب مباشرة إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة أول تجلٍّ كامل لطموحات أمريكا بشأن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط الذي أشرفت عليه لعقود.

    فقد حلمت واشنطن دائمًا بتعاون عربي إسرائيلي ضد إيران من دون حل القضية الفلسطينية. وها هو ذلك يتحقق. ولن تكون مفارقة صغيرة إذا بلغ شرق أوسط أمريكا ذروته في اللحظة نفسها التي تنهار فيها المنطقة كلها في الهاوية. لكن ذلك اليوم قد يكون آتيًا.

    فلم يعد بوسع دول الخليج أن تصدق أن الولايات المتحدة قادرة على حمايتها من التهديدات الوجودية أو راغبة في ذلك. وحتى وهي تُدفَع إلى التعاون العلني مع إسرائيل في حربها، فإنها ستنظر إليها على نحو متزايد بوصفها تهديدًا لا حليفًا محتملًا.

    لقد حطم استهداف إيران لدول الخليج في مواجهة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي حالة التقارب الإقليمي التي تشكلت بشق الأنفس خلال السنوات الثلاث الماضية. فقد كانت السعودية والإمارات، لفترة طويلة، منسجمتين مع إسرائيل في الدعوة إلى استراتيجية تصادمية تجاه إيران.

    وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في بدايات حكمه الفعلي، قد صعّد لهجته ضد الجمهورية الإسلامية وأبدى استعدادًا للتحرك العسكري. وكان قادة الخليج أصواتًا موثوقة تدفع نحو سياسات أكثر عدوانية تجاه إيران، ومشككين علنًا في الدبلوماسية النووية، بينما كانت حلفاؤهم ووكلاؤهم يتقاتلون مع إيران عبر رقعة واسعة من المشرق والعراق واليمن.

    لكن تلك الأيام مضت منذ زمن. فقد صُدم قادة الخليج بقدرة إيران وحلفائها على استهداف مصافي النفط السعودية في عام 2019 من دون وجود قدرة دفاعية فعالة أو رد أمريكي ذي معنى. ثم جاءت موجة لاحقة من الطائرات المسيّرة فوق أبوظبي لتعزز الدرس نفسه: هناك هشاشة حقيقية لا يستطيع التحالف مع الولايات المتحدة تعويضها، أو لا يريد تعويضها.

    وفي عام 2023 أعادت السعودية وإيران العلاقات الدبلوماسية وأقامتا تهدئة أوسع، في ظل رعاية صينية ظاهرية، كجزء أساسي من الاتجاه الإقليمي الأوسع نحو خفض التصعيد في حروب الوكالة والصراعات البينية. وقد صمدت هذه التهدئة خلال حرب الأيام الاثني عشر في الصيف الماضي، إذ بقيت دول الخليج على الهامش وامتنعت إيران عن استهدافها.

    لكن منطقًا استراتيجيًا مختلفًا ساد هذه المرة. فمع استعداد إسرائيل والولايات المتحدة بوضوح لشن حرب ضخمة ومنسقة لتغيير النظام، أدركت إيران أنه لم يعد هناك طريق للعودة إلى الوضع القائم. فالمكاسب التي وفرها التقارب مع السعودية كانت قد تبددت بالفعل.

    وكانت دول الخليج، في معظمها، تفضّل تجنب الحرب، لكنها أدركت أنها باتت حتمية مع احتشاد الأسطول الأمريكي، ومع ملاحظة الوسطاء العُمانيين أن إدارة ترامب بالكاد كانت تتظاهر بالتفاوض بحسن نية.

    ومع حتمية الحرب، أملت دول الخليج على الأقل أن تُشكّل جغرافية الحملة واستراتيجيتها بطريقة تحدّ من تعرضها لارتداداتها. وقد تمنت حربًا قصيرة تُطيح بكبار القادة الإيرانيين وتستبدلهم بقادة أكثر براغماتية، على الأرجح من المؤسسة العسكرية، من دون تحطيم الدولة على نحو يطلق الفوضى واللاجئين واللايقين.

    كما أملت أن يبقى الصراع محصورًا بين إسرائيل وإيران، وأن تظل دول الخليج وشحنات النفط بمنأى إلى حد كبير عن تأثيراته.

    لكن إيران رفضت هذا السيناريو، وردت على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي بقصف واسع ومتصاعد لكل جار خليجي. وبينما تركزت المسيّرات والصواريخ الإيرانية خصوصًا على الإمارات والبحرين، فقد هاجمت أيضًا الكويت والسعودية وحتى قطر وعُمان الصديقتين.

    وتوحي أنماط الاستهداف لديها باستراتيجية واضحة، بعيدة كل البعد عن نوبات العنف البدائية العشوائية التي تصورها كثير من وسائل الإعلام. فقد استهدفت إيران المراكز المدنية في قلب الدول الخليجية، في إشارة إلى هشاشتها غير المسبوقة أمام شعوبها وقادتها.

    وتُظهر الزيارات التي حظيت بتغطية واسعة من قادة الخليج إلى مراكز التسوق والأماكن العامة المحلية مدى الجدية التي يتعاملون بها مع الصدمة والخوف في الرأي العام.

    لقد فاقت فوائد الهجوم عبر الخليج أي فوائد متبقية لضبط النفس، لا سيما أن إيران لم تشعر بأنها جنت مكاسب من تراجعها في المرة السابقة. فسعت بسرعة إلى إيلام الاقتصاد العالمي لخلق ضغط من أجل وقف إطلاق النار.

    وأغلقت مضيق هرمز من دون جهد كبير، فقط عبر إطلاق تهديدات لم ترغب ناقلات النفط في اختبارها. كما توقفت مصافي النفط السعودية وإنتاج الغاز الطبيعي المسال القطري حتى من دون هجمات إيرانية مباشرة. وأسعار النفط والغاز ترتفع بسرعة، فيما تبدو الولايات المتحدة غير مستعدة للرد.

    وكل ذلك حدث، والحوثيون - الذين عطّلوا فعليًا الملاحة في البحر الأحمر متحدين الهجمات الأمريكية والإسرائيلية أثناء حرب غزة - لم ينضموا إلى القتال حتى الآن.

    إن إيران تفرض بالفعل كلفة عالمية كبيرة، مع توضيحها أنها ما تزال تحتفظ بقدرة على التصعيد؛ فبعدما ألحقت طائرة مسيّرة تم اعتراضها ضررًا بمصفاة نفط سعودية، حرصت إيران على توضيح أنها لم تستهدف المصفاة، لكنها تستطيع فعل ذلك.

    وأخيرًا، كما تفعل مع إسرائيل، تسعى إيران إلى استنزاف أنظمة الدفاع الصاروخي الخليجية والأمريكية بموجات متلاحقة من المسيّرات الرخيصة وسريعة الإنتاج وصواريخ شاهد، بينما تستهدف بصورة منهجية أنظمة الرادار والاتصالات التي تمكّن تلك الدفاعات.

    ولا ينبغي لأحد أن ينخدع بمعدلات النجاح المرتفعة للدفاعات الصاروخية في المراحل الأولى من نزاع كهذا، حين تتصدى أنظمة دفاعية باهظة الثمن لهجمات زهيدة الكلفة. فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنفد الصواريخ الاعتراضية وتبدأ الصواريخ الأعلى جودة في الانطلاق.

    وعلى الرغم من المستويات المرتفعة للغاية من القصف الجوي الذي تحملته إيران، واغتيال قيادتها العليا، فإن المستويات الثلاثة للاستراتيجية الإيرانية تجاه الخليج تبدو وكأنها تعمل كما خُطط لها.

    وقد تستدرج هذه الهجمات الأصول العسكرية الخليجية إلى أتون المعركة، وإن كانت السعودية تبدو حريصة على تجنب هذا الفخ، لكن ليس واضحًا أنها ستضيف الكثير عسكريًا إلى ما تواجهه إيران أصلًا.

    يحتفي كثير من الإسرائيليين والأمريكيين بخطوات دول الخليج نحو تعاون عسكري علني، لكن من منظور إيران، فإن دفع خصومها الإقليميين إلى تحالف مكشوف مع إسرائيل التي تحظى بشعبية متدنية بدل التعاون الضمني المستتر يحمل فوائد إقليمية وسياسية مهمة. فما يراه الأمريكيون والإسرائيليون كلفة كبيرة تدفعها إيران مقابل استراتيجيتها، لا يبدو بالضرورة كذلك من طهران.

    لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لقادة الخليج هو أن واشنطن رفضت أيضًا السيناريو الذي كانوا يريدونه. فقد قام النظام الخليجي برمته منذ زمن طويل على الضمانات الأمنية الأمريكية في مواجهة إيران.

    وكان قادة الخليج يشعرون أنهم يتمتعون بعلاقات أفضل مع ترامب مما كانت لهم مع أي إدارة أمريكية سابقة. فقد قدّروا اهتمامه غير المحدود بالفرص المالية الخليجية، وتفضيله السلطوية على الديمقراطية، وأسلوبه الشخصاني الذي يشبه أسلوبهم. كما لاحظوا ما بدا أنه انسجام مع آرائهم تجاه إسرائيل فيما يخص وقف إطلاق النار في غزة ودعمه للنظام السوري الجديد.

    وهذا ما يجعل شعورهم بالخيانة الآن أكثر حدة. فلدى قادة الخليج أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل أطلقتا حربًا تؤثر مباشرة ليس فقط في مصالحهم، بل في بقائهم، من دون تشاور جدي معهم.

    وهم يشعرون بقلق بالغ من استراتيجية تغيير النظام الإسرائيلية، التي تقوم على تدمير مؤسسات الدولة الإيرانية، لأنهم يدركون أنهم - على عكس إسرائيل - لا يمكن أن يكونوا في مأمن من التداعيات الكارثية لذلك.

    وهم يكادون لا يصدقون عجز الولايات المتحدة عن حماية المنشآت النفطية وطرق الشحن، وعدم قدرة الولايات المتحدة أو عدم رغبتها في تجديد مخزوناتهم المتناقصة من الصواريخ الاعتراضية بسرعة. وهناك شعور عميق بأن القواعد العسكرية الأمريكية أصبحت مصدر تهديد لا مصدر أمن.

    وهذا الإحساس بانعدام الأمن يمثل صدمة لمنطقة كانت تُعد واحة استقرار وازدهار في شرق أوسط ينهار من حولها. فقد حطمت إيران، للمرة الأولى، أوهام مواطني الخليج بشأن حصانتهم من سياسات الإقليم.

    وكان لدى دول الخليج الغنية وسكانها ما يبرر شعورهم بأنهم ينفصلون عن مشكلات المنطقة، وأنهم أقرب إلى الدول الآسيوية الغنية منهم إلى الشرق الأوسط المحطم. وكان الثمن الإنساني لسياسات القوة الإقليمية من المفترض أن يدفعه السوريون والسودانيون واللبنانيون واليمنيون، لا هم.

    لكن إيران أعادتهم، وبشكل حاسم وربما دائم، إلى الواقع الجغرافي. فلم يعد احتمال الاستهداف الإيراني أمرًا مجردًا. فإذا نجا النظام الإيراني، أو جرى استبداله ببديل سلطوي مماثل، فسيتذكر جيدًا القوة الإكراهية التي اكتسبها عبر ضرب الخليج وشحن النفط.

    وإذا سقط النظام وانهارت الدولة، فستتعرض دول الخليج لكل ما تخشاه من تدفقات لاجئين، وتعطيل الشحن، والتطرف، وامتداد العنف المسلح عبر الحدود. وهم لم يعودوا يعتقدون أن بإمكانهم الاعتماد على الولايات المتحدة في الدفاع عنهم.

    ومن النتائج غير المتوقعة للهجوم الإيراني أنه أوقف، في الوقت الراهن، الصراع السعودي-الإماراتي الناشئ. فقد كانت الجهود السعودية لتشكيل تحالف استراتيجي جديد يضم تركيا وقطر ومصر وباكستان وغيرهم، مع التصدي للإمارات على كل الجبهات - وبالوكالة لإسرائيل - أهم إعادة ترتيب للنظام الإقليمي منذ سنوات.

    ولو كانت إيران قد استهدفت الإمارات والبحرين فقط، لربما تركت السعودية وشركاؤها الجدد دول اتفاقات أبراهام لمصيرها. لكن الخليج أعاد توحيد صفوفه تحت وطأة تهديد وجودي، واضعًا خلافاته جانبًا باسم الأمن الجماعي.

    لكن القضايا الأساسية التي دفعت إلى ذلك الانقسام لم تُحل. بل إن ضراوة الحرب الإسرائيلية وطابعها المنفلت - إلى جانب المشاركة الأمريكية النشطة - لن تؤدي إلا إلى تعميق تلك المخاوف.

    فالأنظمة العربية التي خشيت التوسع المستمر للعمليات العسكرية الإسرائيلية وطموحاتها غير المنضبطة لن تشعر بالاطمئنان وهي تراقب تدمير إيران. بل ستخشى أن يأتي دورها لاحقًا، بعدما فهمت أن الولايات المتحدة لا يمكن الاعتماد عليها لحمايتها. وقد يكون ذلك بالفعل نذير التفكك السريع للشرق الأوسط الأمريكي.

    مارك لينش

    مارك لينش

    أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن

    0
    العلامات:
    ترجمات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *