عسكري

    التهديد الإيراني يكشف تراجع القدرة العسكرية البريطانية

    كير جايلز
    كير جايلز
    الأربعاء 25 مارس 2026
    التهديد الإيراني يكشف تراجع القدرة العسكرية البريطانية

    التهديد الإيراني يكشف تراجع القدرة العسكرية البريطانية
    كير جايلز
    فورين بوليسي

    أبرزت الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية ضد حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط محدودية قدرة بريطانيا على حماية مواطنيها ومصالحها، ليس فقط في منطقة الخليج، بل أيضًا في قواعدها العسكرية السيادية في قبرص، ففي الأسبوع الماضي استهدفت عدة طائرات مسيّرة- يُشتبه في أن حزب الله أطلقها- قاعدة بريطانية في قبرص. ولم تتحرك لندن لإرسال أنظمة دفاع جوي إلى المنطقة لحماية قواتها إلا بعد وقوع الهجوم، الأمر الذي أثار تساؤلات حول سبب عدم وجود هذه الأنظمة هناك منذ البداية.

    وتُعد هذه الحادثة مثالًا واضحًا على الحالة المتراجعة للقوات المسلحة البريطانية. ولا ينبغي أن يكون ذلك مفاجئًا؛ إذ وجد خبراء الأمن البريطانيون بالفعل في عام 2024 أن أنظمة الدفاع الجوي الأرضية ليست مجهزة لهزيمة العديد من أنواع التهديدات الجوية. وعلى الرغم من أن منظوماتSky Sabre التابعة للجيش البريطاني قادرة على اعتراض الطائرات المسيّرة، فإن هذه الأسلحة متوفرة بأعداد محدودة فقط، ولم يتم تخصيصها بحسب التقارير لحماية القواعد البريطانية في قبرص. ولزيادة الإحراج، سحبت البحرية الملكية آخر فرقاطة لها من منطقة الخليج في عام 2025، معترفة بأن السبب ببساطة هو عدم توفر عدد كافٍ من السفن لتلبية الاحتياجات العملياتية. وكانت تلك المرة الأولى منذ عقود التي لا توجد فيها سفن حربية بريطانية رئيسية في المنطقة.

    وقد تمثل رد لندن على الهجوم في قبرص في إرسال طائرات ومروحيات ومدمرة من طراز Type 45 تُدعى HMS Dragon إلى شرق البحر المتوسط. وتشكل هذه المدمرات أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطورًا لدى بريطانيا، وهي مسؤولة ليس فقط عن حماية حاملات الطائرات البريطانية، بل أيضًا عن الدفاع عن البلاد نفسها ضد الصواريخ الباليستية. لكن المشكلة أن البحرية الملكية لا تمتلك سوى ست سفن من هذا النوع، وجميعها خضعت لعملية تحديث شاملة بعدما ثبت أنها غير موثوقة في البيئات ذات المياه الدافئة مثل الخليج العربي، ما جعلها غير متاحة لسنوات في بعض الأحيان. وحتى منتصف يناير لم يكن سوى ثلاث مدمرات من أصل ست مصنفة على أنها “عاملة”، وهو وصف لا يعني بالضرورة أنها جاهزة للاستخدام الفوري. وحتى المدمرة "دراجون" احتاجت إلى عدة أيام إضافية من الاستعدادات ولن تصل إلا بعد نحو أسبوعين من الوقت الذي كان يُفترض أن تكون فيه موجودة.

    ويعكس عجز بريطانيا عن حماية مصالحها الخارجية إلى حد كبير الحالة المتدهورة للبحرية الملكية التي كانت يومًا قوة بحرية هائلة. وأبرز التحديات هو نقص عدد السفن والغواصات، وهو ما يتفاقم بسبب نقص الأفراد اللازمين لتشغيلها. فالبحرية الملكية تمتلك حاملات طائرات وست مدمرات حديثة، لكنها في بعض الأحيان تفتقر إلى سفن الدعم اللازمة لتزويدها بالإمدادات. وحتى دخول فئات جديدة من الفرقاطات إلى الخدمة—وهو أمر يُفترض أن يحدث بحلول نهاية العقد—ستظل القوات البريطانية تعتمد على عدد متناقص من الفرقاطات القديمة من طراز Type 23 التي صُممت خلال الحرب الباردة.

    ولمن يتابع شؤون الدفاع البريطانية، فإن الظروف الصعبة التي تعانيها قوة كانت يومًا من أبرز قوى حلف الناتو ليست مفاجئة. فرفض لندن تمويل الدفاع بالشكل الكافي قصة امتدت عبر حكومات متعددة ومن مختلف الأحزاب السياسية، رغم التحذيرات المتزايدة من تزايد التهديدات.

    لكن في ظل القيادة الحالية لحزب العمال، أصبح التناقض بين احتياجات بريطانيا المعلنة واستعدادها لتلبيتها أمرًا يصعب فهمه. فقد كان كبار مسؤولي الدفاع والأمن لدى رئيس الوزراء كير ستارمر واضحين تمامًا في أن بريطانيا تواجه تهديدات وشيكة وأن الاستثمارات والتحول الدفاعي أمران عاجلان ومتأخران في الوقت ذاته. وتحذر استراتيجية الأمن القومي البريطانية لعام 2025 من أنه "للمرة الأولى منذ سنوات عديدة علينا أن نستعد بفعالية لاحتمال تعرض أراضي المملكة المتحدة نفسها لتهديد مباشر، وربما في سيناريو حرب". ومع ذلك، واصلت حكومة ستارمر تأجيل الخطط الأساسية ورفضت توفير الأموال اللازمة لتنفيذها. ويشار إلى هذا التناقض المتزايد في الدفاع البريطاني باسم "فجوة القول والفعل"، وهو تعبير يتكرر في سلسلة من الدراسات القاسية التي أعدها ضباط كبار سابقون ومراكز أبحاث أمنية.

    وقد ظهرت هذه الفجوة بوضوح في مؤتمر ميونيخ للأمن الشهر الماضي، حيث حذر ستارمر القادة الأوروبيين من أنهم بحاجة إلى “الإنفاق أكثر وبسرعة أكبر”. لكن الإنفاق البريطاني نفسه يتراجع بسرعة. وإذا استُبعدت الأموال المخصصة للردع النووي، فإن بريطانيا تنفق نحو 1.73 في المئة فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وهي ثاني أدنى نسبة بين الدول الـ32 الأعضاء في الناتو. أما الدولة الوحيدة التي تنفق أقل فهي آيسلندا، التي لا تمتلك قوات عسكرية أصلًا.

    ولا يقتصر انتقاد التقاعس البريطاني على المراقبين الخارجيين؛ بل يشمل أيضًا المشرعين البريطانيين أنفسهم. ففي أواخر عام 2025 أصدرت لجنة الدفاع في مجلس العموم تقريرًا شديد اللهجة ينتقد إخفاقات الحكومة المتعددة، ليس فقط في الوفاء بالتزاماتها الدفاعية تجاه الناتو، بل أيضًا في حماية الأراضي البريطانية نفسها. وقد امتد الإحباط من بريطانيا داخل الناتو ليصل حتى إلى اليابان، التي يُقال إنها غير راضية عن تردد لندن بشأن مشروع مشترك لتطوير مقاتلة شبحية من الجيل التالي.

    ورغم إشاراته العلنية إلى أهمية الدفاع، أوضح ستارمر أولوياته مبكرًا في رئاسته للحكومة عندما أعلن أنه "لا توجد مؤسسة أكثر أهمية لأمن بلادنا من الخدمة الصحية الوطنية". وبما أن نظام الرعاية الصحية البريطاني يُموَّل تقريبًا بالكامل من الضرائب، فإنه ينافس مباشرة بقية بنود الميزانية الحكومية. ومع وجود الميزانية نفسها مثقلة بفواتير الرعاية الاجتماعية الضخمة، يُقال إن وزيرة الخزانة رايتشل ريفز تعرقل زيادات الإنفاق الدفاعي.

    وتعهدت بريطانيا حاليًا برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2.5 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، مع “طموح” للوصول إلى 3% في المئة لاحقًا. وحتى إذا تحقق هذا الهدف رغم اعتراضات ريفز، فإن المسار يظل غير طموح إلى حد أن الزيادات السنوية يمكن قياسها بأعشار النقطة المئوية فقط. ويؤكد ضعف الجدية في لندن أيضًا أن جزءًا كبيرًا من الزيادة الموعودة يعتمد على حيل محاسبية، مثل إعادة تصنيف بنود أخرى في الميزانية باعتبارها إنفاقًا دفاعيًا.

    وينبغي أن يكون التمويل كافيًا لإصلاح نتائج عقود من التخفيضات، بما في ذلك إجراءات التقشف المؤلمة التي أُلحقت بالعسكريين وعائلاتهم. وقد أعرب وزير القوات المسلحة آل كارنز عن قلقه من أن جزءًا كبيرًا من الجيش البريطاني لم يتغير منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. فمعظم المركبات المدرعة، بما في ذلك الدبابات، صُنعت قبل 30 إلى 60 عامًا. كما أدت كوارث متتالية في برامج التسلح إلى فجوات كبيرة في القدرات العسكرية. ولم تحصل الدبابة الرئيسية للجيش على تحديث كبير منذ القرن الماضي. وعندما يحدث ذلك أخيرًا، سيتم تحديث 148 دبابة فقط وفق أحدث المواصفات. والتجارب السابقة تشير إلى أن هذا العدد قد يتقلص. وتعاني القوات المحمولة جوًا البريطانية من مشكلات مماثلة؛ فعملية إنزال جوي واحدة كبيرة قد تتطلب استخدام كامل أسطول سلاح الجو الملكي من الطائرات القادرة على القفز المظلي.

    وقد كان تراجع حجم القوات المسلحة البريطانية مستمرًا على مدى عقود. فبين عامي 2000 و2024 انخفض عدد أفراد الجيش البريطاني بنحو 30%، ليصبح أصغر قوة منذ تسعينيات القرن الثامن عشر. كما تقلص حجم البحرية الملكية ومشاة البحرية الملكية معًا بنحو 25%، بينما تقلص سلاح الجو الملكي بأكثر من 40%. ولم تعد بريطانيا تمتلك قوة برية كبيرة ولا بحرية كافية للوجود حيثما يلزم—كما رأى العالم الأسبوع الماضي.

    وكان الخطاب الحكومي البريطاني حول الدفاع يقوم على فكرة أن التكنولوجيا تقلل الحاجة إلى الجنود والبحارة. لكن حتى القوات المسلحة المتقدمة تكنولوجيًا قد تواجه تحديات كبيرة. فخطوط الجبهة في أوكرانيا قد لا تكون نموذجًا دقيقًا للحروب المستقبلية، لكن تقنيات الطائرات المسيّرة ومكافحتها التي طُورت هناك ستشكل تحديًا كبيرًا لأي جيش لم يستثمر في التكيف معها، مثلما نرى الآن في الشرق الأوسط، حيث تكافح الولايات المتحدة وشركاؤها في الخليج للتصدي لهجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية الكثيفة.

    وفي أواخر فبراير الماضي حذر القائد العسكري الأوكراني السابق فاليري زالوجني—الذي أصبح الآن سفير بلاده لدى بريطانيا—من أن الثورة التكنولوجية في جبهات بلاده تركت الجيوش الأوروبية متأخرة كثيرًا. ومع ذلك، لم تظهر بعد خطة الاستثمار الدفاعي التي وعدت بها الحكومة البريطانية منذ فترة طويلة لتوضيح كيفية مواجهة هذا التحدي.

    وفي العقود الماضية تمثل الانتقاد الرئيسي للحكومات البريطانية المتعاقبة بسبب تقليص القوات المسلحة في عدم التوفيق بين طموحاتها العالمية وعدم استعدادها لدفع ثمنها. لكن الخطر الآن أصبح أكثر إلحاحًا وجذرية. فبالرغم من التحذيرات الواضحة في وثائقها الاستراتيجية، لا تمتلك بريطانيا لا القدرات ولا حتى خطة للدفاع عن أراضيها.

    ويرجع ذلك إلى الافتراض الطويل الأمد في التخطيط البريطاني بأن الحرب إذا وقعت ستقع لشخص آخر في مكان بعيد، وأن بريطانيا سيكون لديها الخيار في المشاركة أو عدمها، وأنها ستتمكن من الاعتماد على القوة العسكرية الأمريكية والانضمام إلى تحالف تقوده الولايات المتحدة إذا شاركت.

    لكن المشكلة أن كل هذه الافتراضات قد انهارت الآن. فروسيا تتدرب منذ سنوات على تنفيذ هجمات بعيدة المدى تتجاوز بكثير ما يتخيله معظم الجمهور البريطاني. وإيران ترد بضربات عشوائية بعد أحدث جولة من الهجمات الأمريكية. وأي تخطيط يفترض أن بريطانيا ستخوض الحرب فقط عندما تكون جزءًا من قوة أمريكية أكبر يجب أن يخضع الآن لمراجعة عاجلة.

    وبالطبع، فإن هذا ليس اكتشافًا جديدًا لأي شخص كان يتابع الوضع عن كثب. لكن مع إحجام القيادة البريطانية الحالية عن إطلاق حوار وطني حول الدفاع والأمن كما تدعو إليه وثائقها الاستراتيجية، فإن هذا النقاش يجري من دون الحكومة وبالرغم منها، بدلًا من أن يجري معها.

    وهو عرض آخر لحاجة بريطانيا الملحة إلى مواءمة الأفعال مع الأقوال حتى لا تفقد الأقوال قيمتها. فإذا أرادت الاستراتيجيات والبرامج والمراجعات العسكرية البريطانية أن تقنع المتشككين في الدفاع وأن تولد الدعم الشعبي الضروري للتغيير المالي اللازم لتنفيذها، فعلى الحكومة البريطانية أن تُظهر أنها تؤمن فعلًا بتقييماتها الخاصة، وأن تتصرف على هذا الأساس.

    كير جايلز

    كير جايلز

    كاتب بريطاني خبير في الشؤون العسكرية

    0
    العلامات:
    ترجمات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *