الدفاع الجوي السوري بعد سقوط النظام: التهديدات والتحديّات
حين نتحدث عن نظام الدفاع الجوي في سوريا في عهد نظام الأسد، فنحن نتحدث عن واحدة من أكثر منظومات الدفاع الجوي العربية تنوعًا وانتشارًا من حيث العدد والتوزيع الطبقي؛ ليس لأنها الأكثر تطورًا تقنيًّا، بل لأنها ضمت مجموعة كبيرة من الأنظمة قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى.
الدفاع الجوي السوري في عهد الأسد
لقد كانت سوريا من الدول العربية القليلة التي بنت شبكة دفاع جوي متعددة الحلقات، تبدأ من منظومات قصيرة المدى مثل شيلكا وستريلا وأوسا، مرورًا بالمنظومات المتوسطة مثل بوك وتونغوسكا، وصولًا إلى المنظومات البعيدة مثل S-200 وS-300، وهذا التنوع جعل الخارطة الدفاعية السورية قبل سقوط النظام تبدو معقدة ومتشابكة، وتضم عشرات البطاريات والرادارات، خاصة بعد ما تردد عن دخول منظومة S-300P إلى الخدمة في عام 2018 رفقة مشغلين روس، وهي منظومة بعيدة المدى يصل مداها إلى 150 كيلومترًا وارتفاع 30 ألف متر، وكانت تُعد ورقة دفاعية مهمة نظريًّا.
وعند النظر إلى قائمة المنظومات التي امتلكها الجيش السوري نجد منظومات قديمة وحديثة معًا، فهناك منظومة S-200 Angara بعيدة المدى التي دخلت الخدمة منذ السبعينيات وظلت مستخدمة رغم محدودية فعاليتها أمام سلاح الجو الإسرائيلي الحديث، وهناك منظومة Pantsir-S1 التي مثّلت العمود الفقري للدفاع القصير والمتوسط، ويبلغ مداها نحو 20 كيلومترًا، وهي منظومة فعالة تجمع بين المدفع والصاروخ. كما امتلكت سوريا منظومات 9K33 OSA قصيرة المدى، وهي منظومات سوفييتية تعود للسبعينيات أيضًا، ويصل مداها إلى نحو 12–15 كيلومترًا وكانت منتشرة بكثافة بسبب سهولة تشغيلها. وامتلكت سوريا أيضًا منظومة 9K31 Strela-1 قصيرة المدى المخصصة للأهداف المنخفضة بمدى يصل إلى 4–5 كيلومترات، ونشرتها لحماية الأرتال البرية.
منظومة 9K33 OSA
كما اعتمدت سوريا على منظومة 2K22 Tunguska وهي واحدة من أفضل منظومات الدفاع القصير والمتوسط لامتلاكها مدفعًا مزدوجًا وصواريخ قصيرة المدى، وكانت فعالة ضد الطائرات المنخفضة والدرونات. وإلى جانب ذلك امتلكت منظومة BUK بمدى يصل إلى 45 كيلومترًا، وكانت تُعد من أهم المنظومات المتوسطة القادرة على اعتراض الطائرات والصواريخ المجنحة. كما استخدمت سوريا منظومة S-125 Neva/Pechora ومداها 30–35 كيلومترًا، ورغم قدمها فإنها كانت مطوّرة نسبيًّا وتستخدم بكثرة. أما في الدفاع القريب فقد اعتمدت سوريا بشكل واسع على منظومة ZSU-23-4 Shilka القادرة على التعامل مع الأهداف المنخفضة جدًّا، وكانت منتشرة مع معظم الوحدات البرية، وتشكل خط الدفاع الأخير في مواجهة الطائرات والدرونات.
منظومة 2K22 Tunguska
ورغم هذا التنوع الكبير، فإن أغلب الضربات الإسرائيلية خلال عهد النظام اتسمت بالمحدودية والتركيز على مواقع معينة ولم تستهدف كامل الشبكة الدفاعية، وجرت بوتيرة غارة أو غارتين شهريًّا، وتركزت غالبًا على مواقع إيرانية أو شحنات أسلحة أو بعض الرادارات، ولم ترد إسرائيل تدمير الشبكة السورية بالكامل، واكتفت بالحفاظ على قواعد اشتباك مدروسة. وبعد 7 أكتوبر ارتفعت وتيرة الضربات قليلًا لكنها بقيت ضمن السقف المحسوب.
ما بعد سقوط الأسد والتهديد الإسرائيلي
تغير كل شيء بعد نجاح عملية ردع العدوان وسقوط بشار الأسد، إذ قامت إسرائيل بواحدة من أكبر عملياتها الجوية ضد سوريا، فدمرت سلاح الجو السوري بشكل شبه كامل، واستهدفت منظومات الدفاع الجوي بضربات واسعة، وهو ما شمل تدمير بطاريات بانتسير، ومنظومات S-200، وأجزاء كبيرة من منظومات أوسا وستريلا، واستهدفت الرادارات الرئيسية ومراكز القيادة الجوية، وحتى الطائرات القادرة على إطلاق صواريخ جو–جو تعرضت للقصف، ما أدى إلى خروج الدفاع الجوي السوري عمليًّا من الخدمة، وتوافرت لإسرائيل حرية شبه مطلقة في الأجواء السورية.
وحين ننتقل للتهديد الرئيسي المتمثل في سلاح الجو الإسرائيلي، فنحن نتحدث عن واحد من أكثر أسلحة الجو تقدمًا في العالم عبر طائرات F-15 الثقيلة القادرة على حمل صواريخ بعيدة المدى، وطائرات F-16 متعددة المهام، وطائرات F-35 الشبحية التي تستطيع تنفيذ عمليات دون أن يتم رصدها. كما تمتلك إسرائيل ترسانة ضخمة من صواريخ جو–أرض، سواء كروز بعيدة المدى أو صواريخ باليستية تكتيكية أو صواريخ دقيقة التوجيه، بالإضافة إلى امتلاكها أسطولًا ضخمًا من الدرونات الهجومية مثل طائرة "هاروب" الانتحارية التي تستهدف الرادارات تحديدًا، وكذلك الدرونات الاستراتيجية القادرة على حمل صواريخ. وهذا التفوق المركب يجعل أي منظومة دفاع جوي سورية تواجه تحديًّا يكاد يكون غير قابل للمواجهة إذا لم تُحدَّث جذريًّا.
مسيرة "هاروب" الانتحارية
التهديد الجوي من قسد
يأتي التهديد الثاني من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تعتمد بشكل واسع على درونات FPV، وهذا التهديد لا يمكن اعتباره هامشيًّا أو بسيطًا، فهو تهديد كبير؛ لأن قسد تستطيع الحصول على أعداد كبيرة للغاية من هذه الدرونات عبر تصنيع محلي بسيط أو عبر شراء مكوناتها من الخارج، وهذه الدرونات منخفضة الكلفة وسهلة التشغيل ويمكن لأي وحدة صغيرة إطلاق عشرات منها خلال اشتباك واحد.
وقد أثبتت حروب أوكرانيا أن الدرون الواحد قادر على تدمير دبابة أو عربة مدرعة أو مجموعة مشاة خلال ثوان، وبالتالي فالتهديد الذي تمثله هذه الدرونات على دولة مثل سوريا، ما زال جيشها في طور إعادة البناء ويواجه نقصًا واضحًا في التسليح، هو تهديد قادر على تغيير كفة أي معركة خلال فترة قصيرة، لأن قسد تستطيع إغراق جبهة كاملة بأعداد كبيرة من الدرونات التي يصعب رصدها عبر الرادارات التقليدية لأنها تطير على ارتفاع منخفض جدًّا.
وما يزيد خطورة هذه الدرونات أنها لا تحتاج إلى منصات ضخمة ولا غرف عمليات، ويمكن إطلاقها من أي مكان، ويتاح تهريبها أو إدخالها إلى المدن، وهذا يعني أن مدنًا كبيرة مثل دمشق أو حلب أو اللاذقية يمكن أن تتعرض لهجمات دقيقة من هذا النوع من الدرونات إن لم تتوفر منظومات رصد وإنذار فعالة، كما أن القواعد العسكرية والمطارات والمراكز القيادية ستكون أهدافًا سهلة جدًّا، لأن الدرون يمكنه حمل عبوة صغيرة قادرة على تدمير جسم حساس مثل رادار أو مولد كهربائي أو دبابة أو حتى سيارة قيادة. ولذلك فإن تأسيس منظومات دفاع متخصصة لمواجهة درونات FPV أصبح ضرورة وجودية يجب أن تكون على رأس أولويات إعادة بناء الجيش السوري.
وتحتاج سوريا إلى منظومات متنقلة تعتمد على التشويش الإلكتروني القصير المدى لقطع الاتصال بين الدرون والمشغل، كما تحتاج إلى تركيب رشاشات خفيفة ومتوسطة على العربات وربطها برادارات صغيرة قادرة على كشف الأهداف المنخفضة. كما تحتاج إلى نشر نقاط مراقبة كهروبصرية على أطراف المدن الكبيرة والقواعد العسكرية، حتى يمكن رصد حركة أي درون قبل وصوله إلى الهدف، وهذا الأمر أصبح ضروريًّا لأن تعرض أي منشأة عسكرية أو مدنية في دمشق أو حلب لضربة دقيقة من درون FPV يمكن أن يشكل صدمة معنوية كبيرة.
مقترحات عملية
يجب أن تبدأ إعادة بناء منظومة الدفاع الجوي السورية بترميم ما يمكن ترميمه من الأنظمة القديمة، فالعديد من منظومات أوسا وستريلا وتونغوسكا لم تُدمر بالكامل وإنما تضررت، ويمكن إعادة تشغيلها بدعم روسي، لأن روسيا هي الجهة التي صنعت هذه الأنظمة. ويمكن أيضًا لروسيا أن تزود سوريا بتقنيات بسيطة مثل ربط منظومات شيلكا ورشاشات 23 برادارات قصيرة المدى لرفع كفاءتها.
أما على مستوى شراء الأنظمة الجديدة، فإن سوريا يمكن أن تعتمد على تركيا خلال السنوات القادمة، لأن تركيا أصبحت تنتج منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات، وقد زودت سوريا بالفعل خلال الفترة الأخيرة بعدد من المنظومات القصيرة المدى، ويمكن توسيع التعاون ليشمل منظومات "حصار HİSAR" بأنواعها القصيرة والمتوسطة، وكذلك منظومة SİPER طويلة المدى المعتمدة على التكنولوجيا التركية بالكامل تقريبًا، وهذا يمكن أن يشكل نقطة تحول مهمة في القدرات السورية.
ومع ذلك، فإن سوريا تحتاج أيضًا إلى وسائل ردع لأن الدفاع الجوي وحده لا يكفي، فحتى إسرائيل لم تستطع اعتراض كل الصواريخ الإيرانية، ما يعني أن الردع جزء أساسي من أي استراتيجية دفاعية. وتحتاج سوريا أيضًا إلى منظومات إنذار مبكر لأن غياب الإنذار يجعل أي ضربة مفاجئة تحدث خسائر كبيرة، فالإنذار المبكر يسمح بإخلاء الأهداف الحيوية وإدخالها إلى المخابئ، مما يقلل الخسائر ويمنح الجيش قدرة أكبر على إدارة المعركة بأقل قدر من الضرر.
