مائة عام على جماعة الإخوان: نموذج لتطوير الفاعلية للتيارات السياسية والاجتماعية

    ياسر فتحي
    ياسر فتحي
    الإثنين 3 نوفمبر 2025
    مائة عام على جماعة الإخوان: نموذج لتطوير الفاعلية للتيارات السياسية والاجتماعية

    مقدمة

    تقترب جماعة الإخوان المسلمين في مصر من مائة عام على تأسيسها عام ١٩٢٨، في هذا المقال أحاول تقديم نموذج مبسط جدا -يناسب طبيعة المقال- يُسهم في التفكير في تقييم الفاعلية الذاتية لأي تيار عموما وأخص هنا على سبيل المثال التيار الإسلامي خصوصا جماعة الإخوان، ويعتمد النموذج على نظرة كلية تتعلق بعقل التيار الإسلامي، وتتماس مع المنطلقات والممارسات ونتائج خوض الصراعات الكبرى التي تواجهها الجماعة، فتقدم تضحيات جسيمة وتتعرض لكلفة باهظة، هي استنزاف للأوطان قبل أن تخص تيارا بعينه. وأعتمد في ذلك على اهتمامي بدراسات الخطاب، وبحوث سابقة قمتُ بها عن الجماعة، إضافة لأمور تتعلق بالخبرة الشخصية والملاحظة.

    أحب أولا أن أؤكد أن دراسات الخطاب تطورت إلى آفاق واسعة تتجاوز ما كان يطلق عليه سابقا تحليل المضمون، فأصبحت تتعلق بالفكر والقصد وعملية التواصل وكيفية التعبير عن المعنى، والظواهر المتعلقة بالتأثير والإقناع، كما أنها استوعبت حقول المناظرات والمحادثات وبناء الحجج وعملية الحِجاج، واهتمت كذلك بظواهر متعددة تتعلق بالتلاعب والخداع والتضليل وغير ذلك، وفي كل ذلك كانت تفيد من حقول علمية مختلفة منها الفلسفة واللسانيات وعلوم الاجتماع والنفس والسياسة وغير ذلك. هذا التأكيد أستهل به المقال لمحو الالتباس المحتمل عند ذكر كلمة الخطاب ودراسات الخطاب، حيث يشيع الظن أنها تتعلق بالإعلام فقط أو التركيز على نصٍ أو تصريحٍ أو بيان محدد، والأمر أصبح أكبر من ذلك.

    التيار الإسلامي جزء من حالة التدافع المتنوعة داخل مصر والعالم العربي، تتعلق بالاحتلال أو النهضة أو إصلاح النظم السياسية أو تغييرها. يشتبك كثيرٌ من أبناء التيار الإسلامي مع الحالة السياسية بطرق مختلفة، طرق تتعلق بالقيم مثل رفض الفساد والكذب والخداع إلخ، أو تتعلق بالممارسة المنظمة لتحقيق آمال الاستقلال أو تحسين معيشة الناس أو النهضة، أو وربما قيادة الحضارة في العالم. وداخل هذه الحالة تظهر تصوراتٌ وتقييماتٌ عن الواقع ومشكلاته، والحل (الإسلامي)، والوعود أو النتائج المتوقعة من تطبيق الحلول (الإسلامية). ودراسات الخطاب تُعنى بكل ذلك وتنظر للخطاب بصورة أعمق مما يبدو عليه، كما يقول فان دايك عن الخطاب السياسي أنه "صراع على المعنى، ومحاولة لتثبيت تفسيرات تخدم مصالح بعينها"، بل يتجاوز الأمر فكرة الصراع ليوصف بأنه "كفاح في سبيل فرض النظام الجديد أو مقاومته".

    نموذج مبسط لتقييم الكفاءة الذاتية وتطويرها

    بشكل مبسط أقترح نموذجا يفيد التيارات والحركات في التقييم والنظر للكفاءة الذاتية، يعتمد هذا النموذج على أن التفاعل مع الواقع بالأفكار والممارسات يستند إلى ثلاث طبقات: الجذور، والظهور، والأثر.

    الجذور

    أقصد بها المنطلقات التي ينبع منها الخطاب سواء كانت واعية أو غير واعية، وهي ليست نوعا واحدا، بل تُميّز دراسات الخطاب بين المعتقدات والمسلمات والافتراضات والمعارف المشتركة أو المعارف المتداولة أو حصاد التجارب الشخصية والانطباعات وغير ذلك، لكننا هنا نكتفي بالإشارة لها جميعا بالجذور التي تمثل الذخيرة أو الخزان الفكري، الذي تنطلق منه الأفكار والممارسات.

    بغض النظر عن وصفها بالإسلامية وتعدد هذا التوصيف من تيارات ومجموعات متعددة، تعتمد جذور العقل الإسلامي ومنطلقاته العميقة خاصة جماعة الإخوان على: مسلمات ومعتقدات منطلقة من فهم معين للإسلام. يرتبط هذا الفهم ارتباطا وثيقا يصعب فصمه عن الحياة اليومية، ويؤكد على القدرة على تفعيل حضور الفهم الإسلامي في كل مناحي الحياة اليومية. هذا الحضور والتفاعل ينظر له أنه يمتلك حلولا لمشكلات الواقع لو أتيحت له الفرصة. من أجل ذلك تهتم الجماعة بتوعية أنصارها ومؤيديها دينيا بما يُسهم في ترسيخ منطلقات مشتركة وتوحيد الفهم والإدراك النابع من هذه الجذور، ويتجلى هذا الاهتمام في برامج التوعية والتعليم والتكوين والتأهيل والتدريب وغير ذلك.

    الظهور

    يُظهر التيار الإسلامي -خصوصا جماعة الإخوان- قدرة عالية على التواصل الاجتماعي، والتعريف بالإسلام (الوسطي) الذي يمكنه الحضور بشكل طبيعي في حياتنا اليومية، يحدث ذلك إما بشكل دعوي مباشر أو بطرق اتصال غير مباشرة، يمكنها أن تكسب الاحترام والتقدير لبعض من أعضاء الجماعة وسلوكهم الشخصي ثم ينسحب ذلك على احترام أفكاره وجاذبية التواصل معه. تتجلى هذه القدرة في فاعلية بناء الشبكات الاجتماعية والعلاقات المنظمة وغير المنظمة، ومن ثم إمكانية الإفادة منها في عمليات التوجيه أو التعبئة أو الحشد. ويزيد من فاعلية هذه الشبكات اعتمادها على خطابات اليقين والوعود والنتائج التي ترافق الحل (الإسلامي).

    الأثر والنتائج في المعارك الكبرى

    أثر الانتشار لا يمكن إغفال حضوره، وكذلك قوة الشبكات، مع الأخذ في الاعتبار غياب الحريات والاعتراف الرسمي، والتشويه الإعلامي، والتخويف الأمني، وأيضا ضعف أو إضعاف التيارات الأخرى. ومن خلال أي انتخابات طلابية أو نقابية أو محلية أو نيابية إضافة لبعض التظاهرات التي قد تنفذ من الهوامش السياسية والأمنية تبرز هذه الميزة ونجاح أثرها بالإفادة من العملية التنظيمية للعلاقات والشبكات وأيضا لنجاح الانتشار بين الأنصار والداعمين و(المؤمنين) بالتصورات والحلول التي يمكن للجماعة أن تحققها.

    على صعيد آخر تتصاعد المعارك السياسية المعقدة بين الجماعة والنظام السياسي في فترات تاريخية متعددة لاعتبارات مختلفة وسياقات متعددة منذ الملكية في مصر إلى الآن، وكانت تؤول إلى اغتيال المؤسس حسن البنا، أو الحظر التام للجماعة والتهامها أمنيا بكل السبل في عهد الرئيس جمال عبد الناصر أو بعد الانقلاب على الرئيس محمد مرسي بقيادة عبد الفتاح السيسي الذي أصبح رئيسا لاحقا، أو الاعتماد على تضييق الهامش وتوجيه ضربات أمنية استنزافية بين الحين والآخر ضمن أطر سياسية معينة، كما كان يحدث في عهد الرئيس محمد حسني مبارك.

    رغم تعدد السياقات السياسية وتعدد العصور وأيضا تنوع التنظيمات الإخوانية في دول أخرى، كانت الجماعة قادرة على تحقيق أثر الانتشار وزيادة الداعمين والمؤمنين، بعض التنظيمات في دول أخرى امتلك قدرة أكبر على الوصول للسلطة، أو قدرة أكبر على التكيف مع السلطة، لكنهم جميعا لم يتمكنوا من تحقيق نجاحات راسخة تحقق الأهداف العليا والآمال والأمنيات التي ارتبطت بالنهضة أو قيادة الحضارة، وما يتفرع منها من قيم تتعلق بالحريات أو الديمقراطية أو محاربة الفساد أو العدالة الاجتماعية وغير ذلك.

    ما الذي يقوله لنا هذا النموذج؟

    هذه الصورة البانورامية لفكرة الجذور والظهور والأثر، تتجاوز الاستقطابات الظاهرية التي تتعلق بالدعوي والسياسي، أو التجديد والأصالة، أو اللوائح وشرعية التمثيل التنظيمي، لتجعلنا ننظر إلى الجذور والمنطلقات (بحسب التعريف السابق الذي قدمته للجذور) وملائمتها للصراعات الكبرى وما ينتج عنها من آثار، فلأي مدى هناك فجوات بين الجذور والتحديات الكبرى.

    لأي مدى كانت المنطلقات والتهيئة والإعداد ملائما لما ستخوضه الجماعة من صراع معقد، لأي مدى كانت النخبة الواسعة -وليس عددا محدودا من القيادات- لديه الحد الأدنى من التهيئة الملائمة لطبيعة الصراعات التي يمكن أن تخوضها الجماعة أو الأوطان، ومن ثمّ حاجتها لأنماط متعددة من القيادة أو الإدارة أو التنظيم أو الاتصال أو الممارسات الحركية.

    إن التحديات الكبرى فرصٌ لاختبار الأفكار والثقافة والوسائل والقدرات، وفرص لرفع درجات الكفاءة والاحتراف للعمل المنظم ووحداته قبل أفراده وقادته، الأمر يتجاوز فكرة التقييم السطحية التي تتعلق بمن مصيب ومن مخطئ، إنها دراسات موضوعية خالية من الشخصنة، دراسات تتعلق بتجليات الأفكار والأهداف في عملية تنظيمية وأنماط إدارية وقيادية وحالة تفاعلية، هل تؤدي الجذور وما فيها من تهيئة وتعليم وتدريب وتكوين إلى إفراز هياكل وقادة ووحدات أكثر احترافية وإبداع في التعامل مع هذه الصراعات، خاصة أننا نعيش عصرا مُتخما بالمعرفة والعلوم والخبرات والتجارب المدونة عن الصراعات السياسية والتغيير والثورات والتدافع السياسي والحركات الاجتماعية والسياسية وتاريخ البلدان والشعوب وغير ذلك.

    لا تتعلق هذه العملية بالتيار الإسلامي فقط؛ بل هي فكرة عامة يمكن لأي باحث أو متخصص أن يضع نماذج متعددة لتحليل الجذور ويدرس ملاءمتها للواقع، وفي حالات السياسة والتغيير فالواقع أكثر تعقيدا وحساسية ونتائجه لا تؤثر على فرد أو نخبة بل تؤثر على مصير بلد وذاكرة أجيال.

    في دراسة سابقة لشريحة واسعة من الشباب الفاعل داخل الجماعة من محافظات مختلفة وبعضهم تولي مراكز قيادية داخل الجماعة قبل عام ٢٠١١ أو بعده، ذكر ٧٨٪ أن المفاهيم السياسية التي تعلقت بالحريات والديمقراطية والنظام السياسي كانت غير واضحة وهي مفاهيم ارتبطت بشكل وثيق بحراك يناير ٢٠١١ وما بعده من مرحلة انتقالية ومحاولة للتغيير والانتقال الديمقراطي، وقد أكد ٨٦٪ أنه لم يتعرض لتثقيف أو تدريب في الشأن السياسي عموما قبل عام ٢٠١١.

    في كل التيارات هناك دائما ما يمكن الاستناد له لتطوير الإفادة من المنطلقات والجذور، والتيار الإسلامي لن يعجز في ذلك، ليس من خلال النظر للنصوص الدينية التي تحث على التفكر والتدبر وإعمال العقل وحسن النظر في الواقع والمآلات وأهمية التعليم والعلماء وغير ذلك، بل حتى في المقولات الفكرية والتنظيمية على سبيل المثال لا الحصر ما قاله حسن البنا في إحدى رسائله عن أهمية أن "يطمئن الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه"، ولا يتعلق الاطمئنان للكفاءة بانتظار العواقب والنتائج؛ لكن يتعلق بمراجعة مسارات التكوين والتأهيل والتمرس والتدريب قبل انتظار العواقب والنتائج.

    في الدراسة التي أشرت لها وجدتُ أن الكتب التي يتذكرها أغلب شباب الجماعة ودرسوها داخل التنظيم منحصرة في: فقه السنة لسيد سابق، وفقه السيرة للغزالي، ورياض الصالحين والأربعين النووية للإمام النووي، وفقه السيرة للبوطي، وجامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، ومختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، وكتاب الرسائل لحسن البنا، وفي ظلال القرآن لسيد قطب، وبين القيادة والجندية لمصطفى مشهور، وماذا يعني انتمائي للإسلام لفتحي يكن، وأصول الدعوة لعبد الكريم زيدان، والمنهج الحركي للسيرة النبوية لمنير الغضبان، كما أن القراءات الإضافية كانت في الغالب للشيخ محمد الغزالي أو يوسف القرضاوي أو محمد قطب أو محمد أحمد الراشد أو سعيد حوى إلخ. وكانت المعاني والأهداف والقيم التي يتم التركيز عليها داخل الجماعة ويتذكرها شباب الجماعة بوضوح محصورة في: الإخلاص والربانية وأداء الفرائض والنوافل، وحسن الخلق والأخوة الإسلامية وحرمة المال العام، ومعاني ووجوب العمل الجماعي وضوابطه والثقة في القيادة والطاعة والجندية والذاتية. وهي نتائج تشير إلى إمكانية تحليل الفجوة بين الجذور والمنطلقات، والاستعداد لمواجهة التحديات والصراعات الكبرى المعقدة.

    خاتمة

    الأفكار والممارسات لا تتحرك في فراغ، بل تنطلق من جذور وتكوين واستعداد، وتظهر في ممارسات وسجالات وصراعات، وينتج عن ذلك آثار ونتائج، وفي جماعة عمرها اقترب من مائة عام، فرصةٌ ثرية لكل التيارات والحركات؛ لتحليل الفجوات وتطوير الفاعلية بما يعود أثرها على عموم الناس والأوطان بالنفع والفائدة، ويسعى لتجنب آثار وخيمة قد تحدث في سنوات قادمة، مع العلم أن هذا النوع من الصراعات معقد، وتتداخل فيه العوامل الداخلية والمحلية والإقليمية والدولية، ورغم أن العبء كبير لمحاولة تعلم الدروس بشكل منهجي احترافي -غير انطباعي-، فالإفادة من حقول علمية متعددة ومن تطور هائل للعلوم والتكنولوجيا يجعل من تطوير القدرات رغم الصعوبات أمرا ممكنا.

    المراجع

    1. توين فان دايك، الخطاب والسلطة.
    2. نورمان فيركلف، اللغة والسلطة.
    3. حسن البنا، رسالة التعاليم.
    4. ياسر فتحي، بحث اتجاهات شباب جماعة الإخوان المسلمين في مصر، مؤتمر الجيل والانتقال الديمقراطي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تونس سبتمبر ٢٠١٧.
    5. المرجع نفسه.
    ياسر فتحي

    ياسر فتحي

    باحث في دراسات الخطاب – مدير منظمة مجموعات التحفيز

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *