حلف شمال الأطلسي يفكّر في الإنفاق الدفاعي بطريقة خاطئة
عندما طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "عقيدة الـ5%"، في إشارة إلى مطالبته حلفاء الناتو بإنفاق 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي على الدفاع والأمن بحلول عام 2035، وصف الأمين العام لحلف الناتو مارك روته ذلك بأنه "قفزة تحويلية".
وبالفعل، فإن الممارسة السائدة داخل الحلف تقوم على تقييم مساهمات الدول الأعضاء أساسًا عبر نسبة ثابتة من الناتج المحلي الإجمالي مخصصة للإنفاق الدفاعي. غير أن هذا المقياس، رغم ملاءمته سياسيًا، يظل بمفرده غير كافٍ لتعزيز القدرات العسكرية الفعلية للحلفاء.
في الدول التي يكون فيها إدراك التهديد العسكري منخفضًا، وتلعب فيها القوات المسلحة دورًا هامشيًا في السياسة الداخلية والنقاش العام، قد يكون هذا المعيار حتى ذا نتائج عكسية. فالضغط على الحكومات لزيادة الإنفاق لا يؤدي تلقائيًا إلى جيوش أقوى، بل قد يضعف الفعالية العسكرية في بعض الحالات.
تجسّد إيطاليا هذه الإشكالية بوضوح. فالمجتمع الإيطالي لا يرى تهديدًا عسكريًا مباشرًا لأمنه القومي، كما أن الفجوة بين القوات المسلحة والمجتمع المدني واسعة. ونتيجة لذلك، لم تُترجم الضغوط لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى تحسن ملموس في الفعالية العسكرية.
وقد اتبعت إيطاليا استراتيجيتين تمكّنها من الاستجابة لضغوط الحلفاء دون تعزيز جوهري لقواتها المسلحة.
أولًا، أعطت روما الأولوية للامتثال الشكلي لمعايير الإنفاق التي يضعها الناتو - وخاصة الولايات المتحدة - بدلًا من زيادة حقيقية في الموارد الدفاعية. ففي عام 2025، أبلغت إيطاليا الناتو بميزانية دفاعية تقارب 45 مليار يورو، رغم أن الإنفاق الفعلي كان أقرب إلى 31 مليار يورو، وذلك من خلال إعادة تصنيف نفقات تابعة لوزارات أخرى.
ثانيًا، وبتأثير أكبر، وُجّهت الموارد الإضافية نحو أنشطة عسكرية تخدم أهدافًا سياسية داخلية بالدرجة الأولى، بدلًا من تحسين الجاهزية العملياتية والقدرة القتالية. والنتيجة نمط مألوف في الناتو: مظهر حليف أقوى دون زيادة حقيقية في الفعالية العسكرية.
في إيطاليا، تشكّلت العلاقة بين الجيش والمجتمع بعمق بفعل إرث الحرب العالمية الثانية. فقد خرجت البلاد مهزومة، ما أفقد الجيش قدرًا كبيرًا من هيبته وسلطته ومكانته داخل المجتمع.
ورغم وجود اختلافات، يشبه هذا الوضع ما حدث في ألمانيا واليابان بعد الحرب. لعقود طويلة، رفض المجتمع الإيطالي استخدام القوة في العلاقات الدولية، وواجه صعوبة في استيعاب جدوى وجود قوات مسلحة أصلًا، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الجيش والمجتمع وظهور حالة من الجهل أو اللامبالاة، بل أحيانًا عدم الثقة تجاه المؤسسات العسكرية.
بدأ هذا الوضع يتغير بعد نهاية الحرب الباردة، حين توسّع استخدام القوات المسلحة في عمليات خارجية، واكتسب الجيش تدريجيًا قدرًا من الثقة العامة. غير أن استدامة هذه الثقة ظلّت مشروطة بالالتزام بمبادئ صارمة، مثل قواعد اشتباك مقيدة للغاية، وإخفاء البعد القتالي قدر الإمكان، والتركيز على الوظائف الإنسانية والمسانِدة.
على المستوى العملي، تتسم العلاقات المدنية–العسكرية في إيطاليا بعنصرين أساسيين:
الأول: هو ضعف المعرفة بالمؤسسات العسكرية ومتطلباتها العملياتية، سواء لدى الجمهور العام أو داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية. فعدد الخبراء القادرين على فهم تنظيم القوات المسلحة محدود جدًا، ما يؤدي إلى غياب إدراك حقيقي لاحتياجاتها.
الثاني: هو التردد في قبول التكاليف المرتبطة بتلبية هذه المتطلبات. فتعزيز الفعالية العسكرية يعني زيادة الإنفاق على التدريب والذخيرة ومناطق الرمي، وهي خيارات لا تعود بمكاسب سياسية داخلية واضحة مقارنة بقضايا مثل التوظيف أو الأمن الداخلي أو التنمية الاقتصادية.
إحدى المشكلات تتمثل في إعلان زيادة في الميزانية الدفاعية دون تخصيص أموال إضافية فعلية. وقد أثار هذا الأمر جدلًا واسعًا في إيطاليا، بعدما أظهر تقرير للناتو أن روما أعلنت وصول إنفاقها إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم أنها أنفقت 1.5% فقط في العام السابق.
وثيقة التخطيط الدفاعي الإيطالية لم توضح بدقة كيف تحقق رقم 2%، بل أشارت إلى إدراج نفقات تتعلق بالحركية العسكرية ونفقات دفاعية أخرى من قطاعات مختلفة، مثل الدفاع السيبراني.
وبالتالي، فإن إيطاليا، مثل سبعة أعضاء آخرين في الناتو، حققت الهدف الشكلي للإنفاق، لكن الموارد الفعلية التي وصلت إلى قواتها المسلحة كانت أقل بكثير مما توحي به الأرقام.
وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، زادت إيطاليا إنفاقها الدفاعي مع إعطاء الأولوية لاعتبارات سياسية داخلية.
أولًا، خصصت نحو 23 مليار يورو لبرامج استثمار واسعة في القوات البرية المدرعة، ما يدعم القاعدة الصناعية الدفاعية المحلية ويوفر مكاسب اقتصادية ووظيفية. لكن هذا جاء على حساب مجالات أقل تكلفة وأكثر تأثيرًا مباشرًا في الجاهزية القتالية، مثل الصيانة والتدريب.
ثانيًا، استمرت في تمويل انتشار الجيش في مهام شرطية داخلية، بنحو 250 مليون يورو سنويًا، وهي مهام ذات أهمية سياسية لكنها تقلل من وقت التدريب والاستعداد.
في المقابل، لم تستثمر روما بما يكفي في المجالات الصعبة سياسيًا لكنها ضرورية عسكريًا، مثل تحسين الجاهزية، إنشاء قوة احتياط حقيقية، أو إصلاح نظام التجنيد الذي يعاني من شيخوخة متزايدة ونقص في التخصصات التقنية.
والنتيجة هي تعزيز دفاعي يلبّي أولويات سياسية وصناعية، لكنه لا يغيّر جوهريًا الفعالية العسكرية الأساسية.
إذا كان الهدف هو تعزيز قدرات الحلفاء، فإن اعتماد نسبة ثابتة من الناتج المحلي الإجمالي قد يكون غير فعّال في دول مثل إيطاليا، حيث تجعل الفجوة العميقة بين الجيش والمجتمع من الصعب إقناع الرأي العام بمتطلبات هذا الهدف.
تشير الأبحاث إلى ثلاث مسارات للتغيير:
الأول، بروز تهديد خارجي كبير، كما يحدث في أوروبا الوسطى والشرقية بسبب الخوف من روسيا.
الثاني، إطلاق نقاش عام صريح وغير مؤدلج حول الدفاع، يعترف بأن وظيفة القوات المسلحة هي القتال.
الثالث، تقريب المجتمع من الجيش، سواء عبر الخدمة الإلزامية (رغم الجدل حول جدواها) أو عبر إنشاء قوات احتياط إقليمية طوعية تسمح للأفراد بالحفاظ على حياتهم المدنية مع اكتساب خبرة عسكرية.
إذا أراد الناتو بناء قدرات حقيقية، فعليه ألا يكتفي بالضغط من أجل ميزانيات أكبر، بل أن يقرن ذلك بمبادرات لسد الفجوة المدنية–العسكرية، من خلال دعم البحث الأكاديمي، ومشاريع مراكز الفكر، والأنشطة العامة، وبرامج الاحتياط الإقليمية.
من دون بيئة أكاديمية أكثر انفتاحًا وتعددية وتعترف بدراسة الفعالية العسكرية والتعاون الصناعي الدفاعي كموضوعات مشروعة، فإن زيادة الإنفاق الدفاعي لن تتحول بالضرورة إلى قدرة عسكرية حقيقية.
