اجتماعي
    استراتيجية

    بين الطوفان والعصف المأكول أين يقف سنة لبنان؟

    أنس خضر
    أنس خضر
    السبت 4 أبريل 2026
    بين الطوفان والعصف المأكول أين يقف سنة لبنان؟

    بين الطوفان والعصف المأكول
    أين يقف سنة لبنان؟

    أنس خضر

    "سننشئ منظومة كاملة من التحالفات في مواجهة المحاور الراديكالية، سواء المحور الشيعي الراديكالي أو المحور السني الراديكالي الآخذ في التشكل." بهذه العبارة، استهل رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي نتنياهو جلسة حكومته في 22 فبراير الماضي، وليست مصادفة أن تبدأ الحرب على إيران بعد بضعة أيام فقط من هذا التصريح، بالتحديد في 28 فبراير، والتي وصفها في جلسة حكومية لاحقة، في 17 مارس، بأنها تهدف إلى صناعة "شرق أوسط جديد... نابع من القوة".

    ومن الصعيد الإقليمي إلى الصعيد اللبناني، تبرز الحرب التي يخوضها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد حزب الله كجزء من هذا المشروع، ما يضع أهل السنة في لبنان في موقع الهدف المقبل للاحتلال سواء بالقوة الخشنة أو الناعمة كي يذعنوا لإسرائيل كما يراد لسائر مكونات المنطقة ضمن رؤية "السلام من خلال القوة".

    في مقابل ذلك، يقف أغلب السنة في لبنان منذ معركة طوفان الأقصى وما تبعها في حرب إسناد غزة، التي مُني فيها حزب الله بخسائر كبيرة، موقف المشاهد المكتفي بالشماتة في أفضل الأحوال، أو المنخرط في الدعاية الإسرائيلية اليمينية حول نزع السلاح وحصره بيد الدولة وصولاً إلى المطالبة بالسلام ونبذ "العنف" والحروب.

    جدير بالذكر هنا أن موقف الرأي العام السني من حزب الله وإيران له أسبابه الموضوعية نتيجة سياسات الحزب وطهران طوال عقدين ماضيين، والتي يصعب محوها من ذاكرة أهل بلاد الشام، خاصة أنها كُتبت بالدم، ما يضع المسؤولية هنا في الدرجة الأولى على الحزب الذي لم يقدم حتى الآن نقداً وتقويماً لسياساته خلال تلك المرحلة.

    إلا أن ذلك لا يعفي السنة من التنبه لمتغيرات المرحلة والتغول الإسرائيلي الكبير، والذي يصرح علانية بأنه قادم لاستئصال أي محور سني يمانع مخططاته التوسعية بعد انتهائه من إخضاع المحور الشيعي. وهنا، تبرز أهمية انتقال السنة من موقع المتفرج الشامت الذي لا تعنيه تداعيات الحرب، إلى موقع الفاعل البنّاء الذي يدرك خطورة تقدم المشروع الإسرائيلي أكثر في المنطقة على مستقبلها ومكوناتها جميعاً، فالسنة في بلاد الشام هم أصحاب الثقل والدولة تاريخيا، والجغرافيا والديمغرافيا في الحاضر.

    ماذا بعد الطوفان؟

    من المتفهم أن تميل الجماعات إلى استثمار نقاط التحول التي قلما تتكرر في دورة التاريخ وحياة الأمم، خاصة حين تميل الكفة لصالحهم في ظرف زماني محدد، ولعل هذا ما حدث إثر بداية معركة طوفان الأقصى وما حملته من مشاهد لاقتحام مواقع العدو ومستوطناته وتنكيس راياته وسحق فرقة غزة. فمع بدء معركة الإسناد من لبنان، انخرطت الفصائل الفلسطينية والجماعة الإسلامية في المعركة في محاولة لإثبات الحضور السني في الخطوط المتقدمة ورمي سهم في معركة مفصلية كهذه. وتحولت جنائز شهداء الفصائل والجماعة إلى استعراضات عسكرية وجماهيرية، وامتلأت الشوارع بصور قادة المقاومة الفلسطينية، واهتزت المنابر بخطب الولاء والنصرة لفلسطين والبراء والعداء لدولة الاحتلال.

    من خلال هذه التجلّيات، ظهر التعطش السني للنهوض من كبوات السياسة اللبنانية والاستضعاف الممنهج، الذي فُرض عليهم بالقبضة الأمنية والقضائية والاختزال السياسي المدعوم من الخارج، وعُلقت الآمال على نهضة سنية إسلامية تستفيد من المعركة مع الاحتلال كرافعة سياسية وجماهيرية.

    ولكن الأمر لم يطل كذلك، حيث تراجعت مشاركة الجماعة الإسلامية والفصائل الفلسطينية أمام التفوق الإسرائيلي بالنار والاستخبارات وانكسار حزب الله المفاجئ، وتحول المزاج الشعبي بفعل مشاهد المجازر والتدمير من النصرة والتأييد إلى السكوت على وجل. ومع تصاعد مواقف الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام نحو "حصر السلاح بيد الدولة"، أي بما يشمل الجماعة والفصائل، بدا أن السنة في لبنان مؤيدون لسياسة رئيس الحكومة الذي يمثلهم وفق العرف السياسي اللبناني.

    أمام هذا الواقع، اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لينخرط حزب الله فيها سريعاً، ولكن دون مشاركة من الجماعة الإسلامية أو الفصائل الفلسطينية حتى الآن، وتفشت في الشارع السني دعوات لرفض استقبال النازحين لكون "الحرب ليست حربنا" وتجنيباً لمناطق السنة ويلات القصف الإسرائيلي والاغتيالات بين المدنيين.

    هل سنخرج منها سالمين؟

    مع بدء التوغل البري الإسرائيلي والقصف الجوي في جنوب لبنان وصولاً إلى البقاع الغربي، بدأت نشوة سقوط الخصم التقليدي خلال العقدين الأخيرين تتلاشى على وقع أوامر الإخلاء الإسرائيلية والتقدم أكثر في العمق اللبناني.

    في القطاع الشرقي من الجنوب عند المثلث الجامع بين سوريا وفلسطين المحتلة ولبنان، يتواجد السنة في قرى شبعا، كفرشوبا، الهبارية، كفر حمام، الوزاني وحلتا. وإذا انتقلنا غرباً نحو قضاء صور، نجد ضمن ما يسمى بـ "الحافة الأمامية" القرى السنية التالية: يارين، البستان، مروحين، الزلوطية، الضهيرة وأم توتة. وبعد نظرة سريعة حول أحوال هذه القرى وأهلها، نجد أن القصف الإسرائيلي أحال معظمها ركاماً، وشرد أهلها في جملة النازحين.

    ولا يقف الأمر عند حد القرى المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة، فمنذ بدء التوغل البري أصدر جيش الاحتلال أوامر إخلاء عديدة تشمل كل ما هو "جنوب الزهراني"، بما يشمل مدناً وبلدات سنية واسعة ومخيمات للاجئين الفلسطينيين. أما في البقاع الغربي، فقد أصدر أوامر إخلاء لقرى جنوب مدينة القرعون التي تحوي الثقل السني في المنطقة، وطلب منهم التوجه شمالاً، وتزامن ذلك مع قصف جوي للمنطقة لقطع الطرق الواصلة بين قراها، ما يفتح المجال أمام عودة الاحتلال إلى مرتفعات البقاع الغربي كجزء من خط سيطرة سبق أن اعتمده جيش الاحتلال إبان احتلاله جنوب لبنان بين عامي 1982 و2000.

    أمام هذه المعطيات، لا يبدو أن أهل السنة في لبنان سيخرجون من الحرب سالمين حين يكتفون بالمشاهدة و"فقه الشماتة"، فضلاً عن الانخراط في المخطط الأمريكي- الإسرائيلي المفروض على الحكومة اللبنانية والمدعوم من أحزاب اليمين المسيحي.

    الفرص الضائعة وتكريس التوظيف

    أمل كثيرون في أن يكون تحرير سوريا بسلاح الإسلاميين بداية نهضة للواقع السني في لبنان، لكن بعد أكثر من عام على التحرير لا تزال حالة الشلل السياسي تسيطر على الساحة السنية بينما تتصدر المشهد شخصيات مكررة توظف تمثيل السنة ضمن مشروع اليمين المسيحي.

    فمنذ سقوط نظام الأسد، اقتصرت مبادرات سنة لبنان تجاه سوريا على محاولات التقاط الصور التذكارية مع الرئيس أحمد الشرع، ولم يقدم أحد مشروعاً ينهض بالسنة بالاستفادة من العمق الجغرافي والديمغرافي والسياسي الذي توفره سوريا الجديدة لأهل السنة في لبنان.

    ومع عودة الحرب الإسرائيلية، تقتصر التفاعلات السنية على التوظيف ضمن دعاية اليمين المسيحي دون مراعاة لتطلعات السنة ومصالحهم وحقوقهم، بل ومخاوفهم في ظل التحول الكبير الذي تشهده المنطقة بفعل التوسع الإسرائيلي. وقد وصل الأمر حد الانخراط في الحملة الإعلامية والسياسية على الجماعة الإسلامية وهيئة علماء المسلمين اللتين تشكلان بقايا أطلال الحضور السني في المشهد اللبناني. وبدلاً من محاكاة الانتماء للأمة وقضاياها والوفاء للعاملين في سبيلها طوال العقود الماضية، يقتبس المشاركون في هذه الحملة عبارات الاتهام والإدانة للحركة الإسلامية بوصفها "إسلاماً سياسياً" و"تطرفاً وإرهاباً" يجب التخلص منه لصالح "منطق الدولة" الذي جاء ليعيد تكريس اليمين المسيحي "فئة أولى" في لبنان تصادر صلاحيات ومناصب ووظائف السنة التي كفلها عُرف الطائف.

    وبينما يُعد الخلاف مع حزب الله خلافاً حاضراً له مسبباته الموضوعية بفعل ممارسات الحزب الطائفية طوال العقدين الماضيين، إلا أن المنطلقات التي ينطلق منها أصحاب "منطق الدولة" وداعمو اليمين المسيحي والمصفقون للحملة الأمريكية تختلف بشكل جذري عن المنطلقات السنية في معارضة الحزب، بل ومواجهته في الميدان حين يقتضي الأمر ذلك.

    فمن رفض الظلم والبغي والمطالبة بحقن الدماء وإحقاق العدالة، تحولت الشعارات إلى المطالبة بـ "السلام" وموادعة الاحتلال ونزع القدسية عن الدم الفلسطيني وقضيته واستبدال العناوين الإسلامية بأخرى هي أقرب ما تكون للمفاهيم القومية والوطنية الليبرالية، ويكون بذلك "شتم الحزب" معيار الحق والولاء لا المنطلقات الصحيحة في التصور والمعارضة والبراء.

    وبينما تراجعت سطوة حزب الله السياسية والأمنية والقضائية على الدولة، لم تحدث انفراجات واضحة في ملف المعتقلين الإسلاميين نظراً لرفض أحزاب اليمين المسيحي الموافقة على "قانون العفو" أو "تخفيض الأحكام لمرة واحدة". وعلى صعيد آخر، لم يُترجم تراجع الحزب إلى تقدم سني كما رُوج له، حيث أحصى عضو المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى القاضي حمزة شرف الدين أكثر من 100 منصب ووظيفة في مؤسسات الدولة اللبنانية كانت للسنة بحكم العرف السياسي، سُلبت منهم وأعطيت للطوائف الأخرى.

    قبل فوات الأوان

    لم يعد خافياً في ظل التصريحات الإسرائيلية المعلنة عن فرض السيطرة على المنطقة الممتدة إلى نهر الليطاني، والتصعيد بين حزب الله وخصومه في الداخل، وقرارات الحكومة المتصلبة، أن لبنان يتجه نحو اضطرابات داخلية كبيرة.

    لذلك، تبرز أهمية تعزيز التماسك بين مختلف مكونات الساحة السنية على اختلاف التوجهات الفكرية، وتصحيح التصورات لدى المؤهلين ليكونوا أصحاب تأثير وصناع قرار في مرحلة الفوضى المتوقعة، والاتفاق على منطلقات سليمة للتعامل مع الخصوم والحلفاء والتهديد الإسرائيلي المتعاظم.

    ولقطع الطريق أمام محاولات التوظيف، من الضروري استباق الفوضى عبر البدء ببناء مشروع جامع يضمن مصالح السنة ويعيد لهم دورهم المؤثر في ظل مرحلة استثنائية في تاريخ المنطقة الحديث، قد تشهد تغير الحدود وسقوط دول وتوسع أخرى.

    إن تحقق ذلك، يقطع أهل السنة في لبنان الطريق أمام من يريدون وضعهم في خانة المتواطئين مع الحملة الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة، وينسجمون من جديد مع عمقهم الإسلامي وتاريخهم ودورهم السُّنَني، الذي لا يتخلى عنه مجموع الأمة بفعل قدرها الشرعي، بل يسقط من يتخلف عنه فيكتب في صفحات التاريخ مع ابن العلقمي.

    أنس خضر

    أنس خضر

    باحث بالشأن اللبناني والإسلامي

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *