مدخل إلى الحملات الجوية
اتخذت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في المقام الأول شكل حملة جوية، وهي نمط مختلف جدًا من أنماط الحرب مقارنة بالعمليات البرية؛ إذ له أهدافه الخاصة، ونقاط قوته، وحدوده.
بعد آخر حملة جوية من هذا النوع، خلال حرب الخليج عام 1991، قدتُ تقييم سلاح الجو الأمريكي لتلك الجهود فيما عُرف بمسح قوة الجو في حرب الخليج (Gulf War Air Power Survey). وتختلف الحملة الحالية في جوانب مهمة، لكن النوع ذاته من الأسئلة التي طُرحت آنذاك يمكن أن يساعدنا في فهم ما نراه الآن.
القوة الجوية غريبة في جوانب كثيرة. ثمة قول قديم مفاده أن القاذفة هي صاعقة رعد محبوسة داخل قشرة بيضة، ومربوطة بشكل خفي بقاعدة جوية. ويلخص هذا القول بعض الحقائق المهمة: فالمقاتلات والطائرات القاذفة يمكنها إيقاع قدر هائل من العنف من منصة شديدة الهشاشة في جوهرها، وتحتاج إلى قاعدة محمية جيدًا وإلى طواقم صيانة ماهرة، وهم الأبطال المجهولون في العمليات الجوية.
وأكثر من ذلك، فالقوة الجوية غير مألوفة بطبيعتها؛ إذ بخلاف القوات البرية أو البحرية، لا تستطيع الطائرات المكوث فوق الهدف (أو التحليق الدائري فوقه كما يُسمّى تقنيًا) إلا لفترة قصيرة. وفي الوقت نفسه، تتميز بمرونة هائلة؛ إذ يمكن تركيز القوة الجوية فوق هدف واحد اليوم، ثم فوق هدف آخر يبعد مئات الأميال غدًا.
وقد شكّلت هذه الخصائص - التركيز والسرعة والمرونة - الطريقة التي تفكر بها القوات الجوية، ولا سيما تلك القادرة أصلًا على خوض حملات جوية. فمعظم القوات الجوية قادرة على تنفيذ غارات، أي هجمات مكثفة لكنها قصيرة تستمر بضع ساعات. أما عدد قليل جدًا منها فهو القادر على التفكير بمنطق الحملة، أي شن هجمات جوية متواصلة على مدى أسابيع أو أشهر بهدف تحقيق تأثيرات كبيرة ودائمة على الأرض. ويُعد سلاح الجو الأمريكي أبرز قوة جوية من هذا النوع.
حتى بالنسبة للولايات المتحدة، كانت الحملات الجوية نادرة نسبيًا. ففي الحرب العالمية الثانية، جرت حملات القصف ضد ألمانيا واليابان بالتوازي مع عمليات واسعة في البر والبحر، وكانت تتنافس معها على الموارد المحدودة.
وفي كوريا وفيتنام، سعى معظم النشاط الجوي إلى دعم القوات التي تقاتل العدو، إما مباشرة (بإسقاط القنابل على المشاة المعادين الذين يشتبكون مع قواتنا) أو بصورة غير مباشرة (بمهاجمة خطوط إمدادهم). أما الحملات الجوية المستقلة ضد الإنتاج الصناعي أو المناطق الخلفية مثل الموانئ فقد أعطت نتائج مختلطة.
وكانت حرب الخليج عام 1991، التي شهدت 38 يومًا من العمليات الجوية قبل هجوم بري استمر أربعة أيام، حالة غير معتادة. وحتى في تلك الحرب، كان معظم الطيران الذي قامت به الولايات المتحدة وحلفاؤها موجّهًا ضد القوات العراقية، خصوصًا تلك المنتشرة على طول الحدود الكويتية، بينما لم يُوجَّه سوى جزء صغير من الضربات إلى ما يسمى بالأهداف الاستراتيجية داخل العراق، مثل الاتصالات أو الكهرباء أو البرنامج النووي.
ومن وجهة النظر الأمريكية، تُعد الحرب الحالية أول حملة جوية منذ عام 1991. أما عملية "مطرقة منتصف الليل"، وهي الهجوم الذي استمر يومًا واحدًا على البرنامج النووي الإيراني، فكانت في جوهرها غارة كبيرة تضمنت مجموعة قصيرة من الضربات. وفي عام 2003 بدأت العمليات البرية تقريبًا في الوقت نفسه الذي بدأت فيه العمليات الجوية. أما الآن فالوضع مختلف.
تتطلب الحملات الجوية تخطيطًا مركزيًا وتنفيذًا لامركزيًا. فخلال الحرب العالمية الثانية، ناضل الطيارون حتى تمكنوا في النهاية من فرض إدارة مركزية للعمليات الجوية، بدلًا من توزيع الطائرات لدعم الوحدات البرية. حاولت الخدمات العسكرية الأخرى (ولا تزال تحاول) الاحتفاظ بالسيطرة على طائراتها الخاصة ومروحيات الهجوم التابعة لها، لكن الاتجاه عبر الزمن كان نحو وضع مزيد من السيطرة بيد قائد المكوّن الجوي للقوة المشتركة (JFACC)، وهو غالبًا ضابط في سلاح الجو.
تُدار العمليات الجوية، خصوصًا على هذا النطاق، من خلال أمر المهام الجوية اليومي (ATO). ويمكن تعديل هذا الأمر أثناء التنفيذ، لكنه ضروري لتنسيق عدد كبير من الطائرات. ويشمل تفاصيل مثل: أوقات الإقلاع، وأوقات الوصول إلى الهدف (إذ إن الوصول مبكرًا في القصف ليس أفضل من الوصول متأخرًا)، ونداءات الاتصال ومسارات طائرات التزود بالوقود جوًا، وترددات الاتصال اللاسلكي، والقواعد التي ينبغي للطائرات العودة إليها، ونوع المهمة، وبالطبع إحداثيات الهدف وحمولة الذخائر. ومثل هذا التخطيط المعقد ضروري لأسباب عديدة، منها تقليل احتمالات النيران الصديقة التي أسقطت ثلاث طائرات أمريكية من طراز F-15 في بداية العملية الحالية.
لكن التخطيط شيء، والتنفيذ شيء آخر. تُنفَّذ الهجمات عبر "حزم" (packages)، وهي مجموعات من الطائرات قد تنطلق من قواعد مختلفة، وتضم طائرات للحماية من طائرات العدو أو صواريخ أرض-جو، إضافة إلى الطائرات التي تلقي القنابل. وقد لا يكون قائد الحزمة أعلى الضباط رتبة، بل أكثر الطيارين مهارة، ويمكنه تعديل الخطة وفق الظروف خلال الفترة الزمنية شديدة القِصر التي تجري فيها الضربات الجوية.
بالنسبة لمخططي الحملات الجوية، فإن المهمة الأولى هي تدمير أو على الأقل تحييد منظومة الدفاع الجوي المتكاملة للعدو، أي شبكة الرادارات والصواريخ القادرة على تعقب الطائرات القادمة وإسقاطها. وهذه هي مهمة المرحلة الافتتاحية من أي حملة جوية، وهي مرحلة تكاد تكون انتهت الآن في إيران. وبعد ذلك ينتقل المخططون إلى أنظمة الأهداف، وفي الحالة الراهنة تشمل منصات إطلاق الصواريخ الباليستية ومواقع تخزينها، والقوات البحرية المعادية، ومقرات النظام.
إن ما يمكن للحملات الجوية تحقيقه يعتمد ليس فقط على طبيعة العدو، بل أيضًا على التطور السريع للتكنولوجيا، وهو ما يجعل استخلاص الدروس من الحملات السابقة أمرًا صعبًا. فاليوم، على سبيل المثال، تكاد تكون جميع الذخائر التي تُسقط موجّهة بدقة. وقد ظهرت الأسلحة الدقيقة لأول مرة في الحرب العالمية الثانية عبر القنابل الانزلاقية الموجَّهة لاسلكيًا لدى الألمان والأمريكيين، لكنها لم تبلغ نضجها الحقيقي إلا في حرب الخليج الأولى، وحتى آنذاك كانت أقل عددًا وأكثر بدائية وأقل دقة من الأسلحة المستخدمة اليوم.
ولا يقتصر الأمر على القنابل والصواريخ الأكثر تطورًا. فـالطائرات غير المأهولة يمكنها اليوم التحليق فوق الهدف لساعات، بل أيام، كما أن المراقبة الفضائية أصبحت أكثر فعالية بكثير مما كانت عليه في عام 1991. كذلك تغيّر نظام القيادة والسيطرة. ففي عام 1991 لم يكن لدى قائد المكوّن الجوي للقوة المشتركة سوى قدرة متقطعة على مراقبة النشاط الجوي في مسرح العمليات العراقي؛ أما اليوم فأصبحت الرؤية الكاملة للأصول الجوية أمرًا اعتياديًا. كما أصبح تعديل أمر المهام الجوية (ATO) رقميًا أسهل بكثير مما كان عليه في زمن الأوامر المطبوعة. ويمكن الآن أيضًا دمج أنواع أخرى من الأسلحة بعيدة المدى مثل الصواريخ الجوالة والباليستية والطائرات غير المأهولة وحتى المروحيات الهجومية، داخل الحملة.
إن طبيعة تخطيط الحملات الجوية تجلب معها طريقة معينة في التفكير بالحرب نفسها. فكثيرًا ما ينظر الطيارون إلى الحملة لا من زاوية الاستراتيجية - أي استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية - بل باعتبارها مسألة التقدم عبر قائمة أهداف تضم آلاف الأشياء التي ينبغي تدميرها. وقد يحل التركيز على التقدم في هذه القائمة محل التفكير الدقيق في الوسائل الكفيلة بتحقيق الأهداف السياسية. وقد تكون نظرية النصر مجرد افتراض غير مُبرهَن أو قد تكون غائبة أصلًا.
كما أن الآثار غير المباشرة للحملات الجوية - إيجابية كانت أم سلبية - غير قابلة للتنبؤ. وما زال الجدل قائمًا حول قصف ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية. فمن جهة، اتضح أن الإنتاج الألماني للطائرات، على سبيل المثال، استمر في الارتفاع حتى قرب نهاية الحرب رغم القصف. ومن جهة أخرى، أجبرت حملة القصف ألمانيا على تحويل قدر ضخم من قدراتها الصناعية إلى إنتاج أسلحة الدفاع الجوي، كما أجبرت الغارات الجوية مقاتلات لوفتفافه على الإقلاع، حيث تمكنت طائرات الحلفاء من استنزافها إلى درجة جعلتها تلعب دورًا ضئيلًا في الحملة البرية التي تلت إنزال نورماندي عام 1944.
وأخيرًا، مثل كل أشكال القوة العسكرية، تحتاج القوة الجوية إلى وقت كي تؤتي مفعولها. وبعد أسبوع من الحرب، يتضح أن منظومة الدفاع الجوي الإيرانية أصبحت غير فعالة، وأن القوات الجوية الحليفة قلّصت بدرجة كبيرة - لكنها لم تُنهِ - قدرة إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وأن النظام أُجبر، نتيجة الهجمات على أهداف القيادة، على التخلي عن السيطرة المركزية وترك القادة المحليين يتصرفون من تلقاء أنفسهم.
وقد اعتذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن الهجمات على الدول المجاورة، ملقيًا اللوم على انهيار القيادة. وقال: "بسبب فقدان قادتنا وقائدنا حياتهم نتيجة العدوان الوحشي، فإن قواتنا المسلحة، في غياب القادة، تصرفت من تلقاء نفسها" ثم تراجع لاحقًا عن الاعتذار تحت ضغط الراديكاليين.
ومع ذلك، فإن ضباب الحرب ما زال قائمًا. فالعنصر الأخير في أي حملة جوية هو تقييم أضرار، وهو فن معقد بقدر ما هو علم، ويتطلب أيضًا وقتًا. ولن نعرف النتائج طويلة المدى لهذه الحملة الجوية إلا بعد فترة. ولسوء الحظ، فعلى الرغم من كل التغيرات التكنولوجية التي شهدتها القوة الجوية في العقود الأخيرة، فإن تعجلنا في معرفة النتائج واستعدادنا لإطلاق أحكام سريعة استنادًا إلى أدلة محدودة لم يتغيرا.
