رغم خلافاتها بشأن الانتشار النووي، وتعاونها في مكافحة الإرهاب، اتسمت علاقات أجهزة الاستخبارات الغربية منذ فترة طويلة بالتوتر مع جهاز الاستخبارات الباكستاني، وقد دفع بعض ضباط الاستخبارات ثمنًا شخصيًا باهظًا لهذه العلاقة. وتكشف إنتليجنس أونلاين إحدى أكثر الوقائع إثارة وغموضًا التي تورطت فيها المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في باكستان.
لم يكن هناك ما يوحي في البداية بأن جيروم "اسم مستعار"، ضابط إدارة المصادر الاستخباراتية الكفء والمتحفظ، سيجد نفسه في قلب مشكلة ظلت لسنوات تؤرق ضباط ومديري المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية (DGSE) على حد سواء. وهي قضية شديدة الغموض والإثارة للقلق، إلى درجة أن البعض بات يتحدث عن "متلازمة إسلام آباد"، في إشارة إلى "متلازمة هافانا"، تلك الحالة المرضية الغامضة التي أصابت، منذ عام 2016، مئات الموظفين الحكوميين الأمريكيين في كوبا وأماكن أخرى، بمن فيهم عدد كبير من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
في منتصف عام 2010، داخل السفارة الفرنسية الواقعة بالقرب من بحيرة راول في شمال شرقي إسلام آباد، استخدم جيروم جهاز قياس الجرعات الإشعاعية الذي وُزع قبل بضعة أشهر على ضباط المديرية العامة للأمن الخارجي العاملين في باكستان، لقياس الجرعات الإشعاعية التي قد يتعرض لها الشخص. وكانت النتيجة قاطعة: لقد تعرض ضابط الاستخبارات للإشعاع. وأكدت التحاليل اللاحقة النتيجة الأولية، إذ أظهرت حدوث تغيرات في كروموسومات جيروم، وهو ما قد ينجم عن التعرض للإشعاع. وبعد ذلك، فحص عناصر آخرون من المديرية العامة للأمن الخارجي المتمركزون في باكستان مستويات تعرضهم للإشعاع، وكشفت أجهزة القياس الخاصة بهم أن بعضهم تعرضوا للإشعاع أيضًا.
استعاد ضباط الاستخبارات الفرنسية في البلاد، الذين أصابتهم الصدمة، ذكرى اغتيال ألكسندر ليتفينينكو المقدم السابق في جهاز الاستخبارات السوفيتي (KGB)، ثم في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB)، الذي أصبح من منتقدي فلاديمير بوتين، وتوفي في لندن عام 2006 بعد تسميمه بنظير البولونيوم-210 المشع.
فيما يتعلق بما تعرض له الضابط الفرنسي، فقد اتجهت الشكوك نحو جهاز الاستخبارات الباكستاني، الذي يتمتع بنفوذ واسع ويتولى مسؤولية الاستخبارات الخارجية والداخلية في باكستان، وكان يرأسه آنذاك الجنرال أحمد شجاع باشا.
وكانت هناك أسباب وجيهة لهذه الشكوك، إذ نجحت المديرية العامة للأمن الخارجي مؤخرًا في تجنيد مصدر مهم داخل القطاع النووي الباكستاني. وفي ذلك الوقت، وكما أكدت البرقيات الدبلوماسية الأمريكية التي نشرها موقع ويكيليكس عامي 2010 و2011، كانت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا تخشى أن يؤدي برنامج الأسلحة الباكستاني إلى وقوع مواد انشطارية في أيدي حركة طالبان باكستان، التي كانت تكثف هجماتها ضد حكومة رئيس الوزراء آنذاك يوسف رضا جيلاني، وتربطها علاقات غامضة بالاستخبارات الباكستانية.
البرنامج النووي تحت المجهر
لذلك، بذلت أجهزة الاستخبارات الغربية جهودًا مكثفة لكشف الأسرار النووية للبلاد. فقد أصبحت باكستان رسميًا دولة مسلحة نوويًا منذ عام 1998، وارتفع مخزونها من الرؤوس النووية إلى نحو مئة رأس بحلول عام 2010. وكان هذا الأمر يثير قلقًا خاصًا، بالنظر إلى أن شبكة الانتشار النووي التي أنشأها البطل القومي عبدالقدير خان، الأب المؤسس للقنبلة الذرية الباكستانية، امتدت إلى ما هو أبعد بكثير من حدود البلاد. كما واصلت إسلام آباد الاحتفاظ بعلاقات نووية مع كوريا الشمالية التي تخضع لمراقبة دقيقة.
ولهذا السبب، ورغم تعاون المديرية العامة للأمن الخارجي مع جهاز الاستخبارات الباكستاني بشأن التطورات في أفغانستان، حيث قاتل آنذاك عدد من الجهاديين الفرنسيين أو مزدوجي الجنسية، جعلت باريس من إسلام آباد أولوية في جهود مكافحة الانتشار النووي. ومنح باتريك كالفار، مدير الاستخبارات في المديرية العامة للأمن الخارجي آنذاك، عناصره حرية كاملة في أداء مهامهم وكشف ما يستطيعون الوصول إليه من الأسرار النووية شديدة الحماية. وبحكم خبرته في إدارة العمليات الاستخباراتية، ذكّر الرجل، الذي تولى لاحقًا رئاسة جهاز مكافحة التجسس الفرنسي بين عامي 2012 و2017، فرقه بأنه خلال الحقبة السوفيتية، كان ضباط جهاز كي جي بي الذين يُطردون من الدول التي يقيمون فيها بسبب نشاطهم المفرط يُستقبلون عند عودتهم إلى موسكو بالتكريم.
وهكذا، بدأ ضباط المديرية العامة للأمن الخارجي التحرك. وكانت تلك أول مواجهة لهم مع جهاز الاستخبارات الباكستاني وجناحه شديد السرية المعروف باسم الجناح S، المسؤول، من بين مهام أخرى، عن العمليات السرية. فقد طُرد ضابط من الجهاز الفرنسي كان متمركزًا في كراتشي بعدما نجح في تجنيد مصدر محلي. وبعد ذلك، بدأ رجال باشا يفرضون مراقبة متزايدة على ضباط الاستخبارات الفرنسية. فهل وصل الأمر إلى تعريض واحد أو أكثر من عناصر الجهاز للإشعاع؟
تدخل المعهد النووي الفرنسي
لم تتفق المصادر الأمنية المختلفة التي تحدثنا إليها على تفسير واحد. ومع ذلك، فإن التزامن بين تعرض جيروم للإشعاع وتجنيد مصدر ذي موقع مهم داخل البرنامج النووي الباكستاني يثير الريبة، على أقل تقدير. وفي الوقت نفسه، كان الجهاز قد حصل أيضًا على مواد مشعة في ظروف عملياتية كفيلة بإثارة ذعر طبيب مختص بالصحة المهنية في المديرية العامة للأمن الخارجي، إذ كان من الممكن أن تتناثر محتويات هذه «الحزمة» عن غير قصد داخل المنشآت الفرنسية.
ولم تكن تلك المنشآت مجهزة آنذاك بأجهزة الفحص الأمني، بل كان الموظفون يتلقون طرودًا مجهولة المصدر، لم تخضع لأي تفتيش، وتُسلّم مباشرة إلى مكاتبهم. وفي بلد ترتفع فيه المخاطر إلى هذا الحد، كان من الممكن أن يؤدي هذا القصور الأمني إلى عواقب كارثية.
ومع ذلك، لم تسفر التحقيقات التي أجرتها المديرية العامة للأمن الخارجي ومعهد الحماية من الإشعاع والسلامة النووية الفرنسي (IRSN) عن نتائج حاسمة. ووفقًا لمصادرنا، سافر ممثلون عن المعهد، الذي كان يرأسه آنذاك جاك ريبوسار، إلى إسلام آباد خلال عامي 2010 و2011 لتقييم مستويات التعرض للإشعاع داخل السفارة الفرنسية، لكنهم لم يعثروا على أي شيء يستحق الذكر.
وبالمثل، لم تُظهر الفحوص العديدة، ولا سيما تحاليل الدم، التي أُجريت في باريس لموظفي المديرية العامة للأمن الخارجي العاملين في باكستان وقت وقوع الأحداث وعائلاتهم، وكذلك للضباط الذين خدموا هناك قبل عام 2010 وللدبلوماسيين، والذين بلغ عددهم الإجمالي عشرات الأشخاص، أنهم تعرضوا للإشعاع. وامتدت هذه الفحوص المعمقة التي أجرتها المديرية العامة للأمن الخارجي من عام 2010 حتى السنوات الأولى من ولاية برنار باجوليه على رأس الاستخبارات الخارجية الفرنسية، التي استمرت من عام 2013 إلى عام 2017، وكان باجوليه يريد حسم القضية نهائيًا.
وكما حدث مع متلازمة هافانا، كانت النتيجة الأساسية نشر الشكوك بين صفوف المديرية العامة للأمن الخارجي، بل وإثارة الذعر بين عائلات الضباط. فقد لجأ بعضهم، خشية تعرض صحتهم لأضرار خطيرة محتملة على المدى الطويل، إلى طلب المشورة القانونية تمهيدًا لمقاضاة الجهاز، لاحتمال إخلاله بواجبه في حماية صحتهم الجسدية والنفسية.
إصابة رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية بمرض غامض
لم تغب هذه القضية الغامضة عن اهتمام الشركاء الأجانب للمديرية العامة للأمن الخارجي. ووفقًا لمصادرنا، عُقدت عدة اجتماعات في باريس لمناقشة القضية بين مسؤولين من المديرية العامة للأمن الخارجي ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وجهاز الاستخبارات السرية البريطاني. وأبلغ الجهازان، اللذان كانا منخرطين بقوة أيضًا في باكستان، نظراءهما الفرنسيين بدهشتهما وقلقهما إزاء احتمال تورط جهاز الاستخبارات الباكستاني. وبعد بضعة أسابيع، جاء دور وكالة الاستخبارات المركزية لمواجهة حادثة لا تقل غموضًا.
في 2 مايو/أيار 2011، وبعد عقد من هجمات 11 سبتمبر/أيلول التي دبرها، قُتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن على أيدي عناصر من قوات العمليات الخاصة التابعة للبحرية الأمريكية في أبوت آباد، على بعد نحو 50 كيلومترًا شمال شرقي إسلام آباد. ولتعزيز فرص نجاح العملية ومنع تسرب المعلومات، لم تُبلغ واشنطن السلطات الباكستانية بالغارة. وأثار ذلك غضب الباكستانيين، الذين عبّروا علنًا عن استيائهم، في وقت كانت العلاقات فيه متوترة بالفعل.
وكانت وكالة الاستخبارات المركزية، التي كان يرأسها ليون بانيتا، تشتبه في تواطؤ جهاز الاستخبارات الباكستاني في الهجمات الإرهابية التي شهدتها مومباي في نوفمبر/تشرين الثاني 2008، والتي قُتل فيها ستة مواطنين أمريكيين. ولاحقًا، ورد اسم باشا في قضية أمام محكمة أمريكية مرتبطة بتلك الهجمات.
وبعد وقت قصير من مقتل بن لادن، وعقب عودته إلى باكستان بعدما احتفل بمقتل الزعيم الجهادي في مقر الوكالة، بدأ رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية في إسلام آباد، مارك كيلتون، يعاني آلامًا مبرحة في المعدة. وحاول البقاء في منصبه لبضعة أيام، لكن الطاقم الطبي في السفارة، إلى جانب زوجته التي عملت أيضًا ضابطة في وكالة الاستخبارات المركزية، أقنعوه في نهاية المطاف بالعودة إلى واشنطن خلال صيف عام 2011، للخضوع لسلسلة من الفحوص الطبية وعملية جراحية في البطن. ربما كان جهاز الاستخبارات الباكستاني يسعى إلى الانتقام من مطاردة وكالة الاستخبارات المركزية التي استمرت أشهرًا على أراضيه.
وطرح أطباء وكالة الاستخبارات المركزية عدة تشخيصات محتملة، تراوحت بين الإرهاق الشديد والتسميم على يد جهاز الاستخبارات الباكستاني، وهي فرضية تصدرت الصفحة الأولى من صحيفة واشنطن بوست. وربما كان الجهاز الباكستاني يسعى إلى الانتقام من مطاردة وكالة الاستخبارات المركزية التي استمرت أشهرًا على أراضيه، وانتهت على بعد بضع مئات من الأمتار فقط من الأكاديمية العسكرية الباكستانية في أبوت آباد، تحت أنظار قادة الاستخبارات الباكستانية.
وكان ضباط الاستخبارات الأمريكية قد تلقوا مساعدة من ضباط المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية العاملين ميدانيًا خلال مطاردتهم الطويلة لبن لادن، الذين أبقوا بدورهم جهاز الاستخبارات الباكستاني بعيدًا عن المعلومات، في مؤشر على توتر العلاقات آنذاك. ومع ذلك، حرص الأطباء المكلفون بالتشخيص في لانغلي، شأنهم شأن نظرائهم في المديرية العامة للأمن الخارجي، على عدم إصدار حكم نهائي بشأن القضية، بالنظر إلى أن مياه الشرب في باكستان نفسها قد تحتوي على جراثيم نادرة قادرة على التسبب في اضطرابات شديدة للجهاز الهضمي لدى الغربيين. وحتى اليوم، وبعد مرور 15 عامًا على مقتل بن لادن، لم يتمكن كيلتون وأطباء وكالة الاستخبارات المركزية من كشف حقيقة ما حدث.
إن مجرد الانتشار السريع لفرضية محاولة التسميم أو التعريض للإشعاع على يد جهاز الاستخبارات الباكستاني داخل المديرية العامة للأمن الخارجي ووكالة الاستخبارات المركزية يكشف حجم انعدام الثقة السائد في الأوساط الاستخباراتية الغربية عند التعامل مع جهاز الاستخبارات الباكستاني، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر أجهزة الاستخبارات مكرًا ووحشية. وكما ستكشف إنتليجنس أونلاين غدًا في الجزء الثاني من هذه السلسلة، فإن الجهاز الباكستاني لا يتردد في استخدام جميع الوسائل المتاحة له، بما في ذلك الترحيل والاعتداءات الجماعية العنيفة والفخاخ الجنسية، لزعزعة استقرار أصدقائه الأوروبيين والأمريكيين.
كيف تُخضع الاستخبارات الباكستانية الجواسيس الأجانب لضغوط قاسية؟
لقد أتقن جهاز الاستخبارات الباكستاني المعروف بأساليبه القاسية، فن الضغط على الممثلين المعلنين لأجهزة الاستخبارات الغربية. فمن عمليات الطرد وكشف الهويات السرية إلى الفخاخ الجنسية المحكمة، بل وحتى الصفعات أحيانًا، لا يتورع الجهاز عن استخدام أي وسيلة.
حرب الظل في إسلام آباد
لا يتردد مصدرنا، وهو ضابط سابق في جهاز استخبارات غربي، في استخدام عبارات صريحة عند وصف عقلية ضباط مكافحة التجسس في جهاز الاستخبارات الباكستاني، الذين عمل إلى جانبهم في باكستان لما يقرب من عقد من الزمن. ويقول: إذا أزعجهم عميل معروف الهوية، يتلقى في البداية تحذيرًا شفهيًا. وإذا استمر، فلن تعمل سيارته. ثم تنفجر. أما التحذير الأخير، إذا لم تكن الرسالة قد وصلت إليه فعلًا، فهو أن تنفجر السيارة بينما يكون بداخلها. وعندئذ يسهل عليهم إلقاء المسؤولية على إحدى الجماعات الجهادية المنتشرة في البلاد. وفي النهاية، فإن الوضع يتميز على الأقل بكونه واضحًا.
وقد اتخذ هذا الوضوح منحى جديدًا بعدما أصبحت باكستان مركزًا للدبلوماسية السرية العالمية. فاليوم، بات سعر الديزل في محطات الوقود يُحدد في إسلام آباد. ومنذ أن اختير الرجل القوي في باكستان، عاصم منير، خلال الربيع، للوساطة في الصراع بين واشنطن وإيران ودول الخليج، أصبح تعزيز الوجود الاستخباراتي في إسلام آباد توجهًا رائجًا بين أجهزة الاستخبارات.
ومع ذلك، لا يتسابق العاملون في أجهزة الاستخبارات للحصول على فرصة للانتقال إلى هناك. وينطبق ذلك بصورة خاصة على المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية (DGSE)، التي واجهت صعوبة كبيرة خلال الصيف في العثور على متطوعين لإرسالهم إلى باكستان.
السعادة الأبدية
ظاهريًا، حافظت العلاقات بين رؤساء جهاز الاستخبارات الباكستاني والمديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية دائمًا على قدر من الود، لإدراكهم أهمية الإبقاء على قناة اتصال بشأن قضايا مكافحة الإرهاب. ولهذا، أجرى برنار باجوليه، عندما كان المنسق الوطني للاستخبارات في فرنسا بين عامي 2008 و2011، وإيرار كوربان دو مانغو، مدير المديرية العامة للأمن الخارجي من عام 2008 إلى عام 2013، عدة زيارات إلى إسلام آباد للقاء رئيس جهاز الاستخبارات الباكستاني النافذ آنذاك، الجنرال أحمد شجاع باشا، الذي صنفته مجلة تايم الأمريكية الأسبوعية ضمن أكثر مئة شخصية تأثيرًا في العالم عام 2011.
وفي منتصف عام 2023، وقبل بضعة أشهر من مغادرته المديرية العامة للأمن الخارجي، استقبل برنار إيمييه أيضًا نظيره الباكستاني نديم أنجم، المعروف بتحفظه ولباقته، في باريس. وقد أحضر معه هدية عبارة عن كتاب عن السعادة الأبدية.
واستمرت هذه اللقاءات رفيعة المستوى رغم تعزيز باريس شراكتها مع الهند، العدو اللدود لباكستان. ففي حين تدعم فرنسا بنشاط صعود القوة الهندية، من خلال مقاتلات رافال والغواصات وبرامج التدريب، فإنها حافظت دائمًا على شراكة رسمية مع وزير الداخلية الباكستاني لتدريب قواته الخاصة.
صفعة باكستانية
ومع ذلك، فإن أجواء هذه العلاقة، بالنسبة إلى المطلعين على خفاياها، أقرب إلى مشاجرة في الشارع منها إلى المجاملات الدبلوماسية. وكان من بين أحدث ضحايا المراقبة اللصيقة التي يفرضها جهاز الاستخبارات الباكستاني في إسلام آباد رئيس محطة المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية. ووفقًا لمصادرنا، استُدعي إلى باريس خلال الصيف. وفي يونيو/حزيران، اضطر الملحق العسكري الفرنسي في إسلام آباد أيضًا إلى مغادرة البلاد على وجه السرعة بناءً على طلب السلطات الباكستانية. وهي حوادث تضاف إلى سلسلة لا حصر لها من الأزمات التي طبعت هذه العلاقة.
وفي حدود عام 2010، وبعد الحادثة التي تعرض فيها أحد ضباط المديرية العامة للأمن الخارجي للإشعاع في باكستان، وقعت قضية أخرى زادت من توتر العلاقات الفرنسية-الباكستانية. فقد اعتدى ضابط في جهاز الاستخبارات الباكستاني جسديًا على الرجل الثاني في محطة المديرية العامة للأمن الخارجي بإسلام آباد، بعدما ضاق ذرعًا بتدخل فرنسا في البرنامج النووي الباكستاني. وهو ما يمثل المرحلة الأولى من الرسائل الموصوفة سابقًا. ولم يمر هذا التصرف مرور الكرام في باريس، حيث طردت السلطات بعد بضعة أسابيع الممثل الرئيسي لجهاز الاستخبارات الباكستاني في فرنسا.
وماذا عن الإنذارات الأمنية المختلفة التي شهدها النادي الفرنسي داخل السفارة الفرنسية في العاصمة الباكستانية على مر السنين؟ فمن المعروف أن جهاز الاستخبارات الباكستاني لا يتردد في استخدام الفخاخ الجنسية للإيقاع بالضباط والدبلوماسيين الأجانب. فضلًا عن أنه لا يوجد فندق في العاصمة أو في مدن الأقاليم يُعتقد أنه بعيد عن متناول عناصر الجهاز.
ينعكس هذا التناقض بين الود المعلن على أعلى مستويات السلطة والواقع الأكثر قسوة الذي يواجهه الضباط ميدانيًا في علاقة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بجهاز الاستخبارات الباكستاني أيضًا. ففي حين يصف دونالد ترامب عاصم منير بأنه المشير المفضل لديه، وهو بالمناسبة الرجل الذي يسيطر على جهاز الاستخبارات الباكستاني بقبضة حديدية، لا تزال العلاقات بين الجهازين تتسم بشكوك واسعة النطاق. فمن جهة، يستمر التعاون في مكافحة الإرهاب. لكن من جهة أخرى، تظل المواجهة هي السائدة عندما يتعلق الأمر بالانتشار النووي والعلاقات المتعارضة مع الصين، بالنظر إلى أن بكين أصبحت الحليف الرئيسي لإسلام آباد.
وبعد سنوات شهدت فتورًا في العلاقات الثنائية، بات مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف ورئيس جهاز الاستخبارات الباكستاني عاصم مالك يشيدان اليوم، في عهد ترامب الجديد، بقوة العلاقات بينهما. وتركز المناقشات بين الجهازين على تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب. كما أشادت وكالة الاستخبارات المركزية بالعمل المشترك الممتاز بين الأجهزة، الذي أدى إلى اعتقال محمد شريف الله في مارس/آذار 2025، والمتهم بالمساعدة في تنفيذ تفجير مطار كابول عام 2021.
وتقبل جهاز الاستخبارات الباكستاني هذا الثناء، في تناقض صارخ مع رفضه عام 2011 ذكر اسمه في بيان وكالة الاستخبارات المركزية باعتباره مشاركًا في «عملية رمح نبتون» ضد «جيرونيمو»، الاسم الرمزي الذي أُطلق على أسامة بن لادن. فقد شعر الجهاز بإهانة شديدة بسبب إبقائه بعيدًا عن المعلومات المتعلقة بغارة نُفذت على بعد بضع مئات من الأمتار فقط من أكاديميته العسكرية، حتى إنه فضّل شن حرب سرية ضد لانغلي. وفي باكستان آنذاك، كان الظهور بمظهر الحليف للولايات المتحدة يشكل أيضًا خطرًا أمنيًا كبيرًا على أي ضابط في جهاز الاستخبارات الباكستاني وعائلته.
بعد كشف الهويات السرية
تُظهر الأبحاث التي أجرتها إنتليجنس أونلاين أن الصحافة الباكستانية كشفت، على مر السنين، هويات عدد من العملاء المزعومين التابعين للانغلي يفوق ما كشفته الصحافة في الصين الشيوعية أو الاتحاد السوفيتي في أوج قوتهما. وهي مفارقة بالنسبة إلى حليف وثيق إلى هذا الحد في الحرب على الإرهاب.
وأحيانًا لا تقع المسؤولية بالكامل على طرف واحد. ففي عام 2011، وجد ريموند ديفيس، وهو متعاقد مع وكالة الاستخبارات المركزية، نفسه في قفص الاتهام وعلى الصفحات الأولى لوسائل الإعلام الباكستانية، بعدما أطلق النار وقتل رجلين مسلحين في لاهور. ومع تحول القضية إلى خلاف دبلوماسي، أوقفت وكالة الاستخبارات المركزية مؤقتًا ضرباتها بالطائرات المسيّرة في البلاد.
ووقعت تلك الحادثة بعد أسابيع قليلة من انكشاف هوية رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية جوناثان بانك في ديسمبر/كانون الأول 2010، عندما كشف المحامي الباكستاني شهزاد أكبر اسمه ضمن دعوى قضائية ضد الوكالة. وكان موكله، الصحفي كريم خان، قد زعم أن غارة بطائرة مسيّرة في ديسمبر/كانون الأول 2009 أسفرت عن مقتل ابنه وشقيقه. وادعى أكبر أنه حصل على اسم بانك من صحفيين محليين أرادوا عدم الكشف عن هوياتهم. واشتُبه في أن جهاز الاستخبارات الباكستاني دبر تسريب الاسم انتقامًا من دعوى قضائية رُفعت في الولايات المتحدة، وتورط فيها رئيس الجهاز آنذاك على خلفية هجمات مومباي عام 2008.
وبعد الكشف عن اسم بانك وتلقيه تهديدات، استدعته وكالة الاستخبارات المركزية إلى الولايات المتحدة، لكن ذلك لم يكن نهاية مسيرته المضطربة. فبعد ثلاث سنوات، أُعفي من مهامه رئيسًا للعمليات المتعلقة بإيران، بعدما خلص تحقيق داخلي إلى أنه تسبب في خلق بيئة عمل سامة. وبعد عشر سنوات، وأثناء عمله في باريس، تلقى بانك توبيخًا مجددًا من نظرائه، وهذه المرة من الفرنسيين، بسبب نشاطه المفرط في التعامل مع المسؤولين المحليين.
لندن شريك مميز
أدى اغتيال زعيم تنظيم القاعدة عام 2011 إلى زيادة الضغوط بصورة كبيرة على الجواسيس الغربيين العاملين في المنطقة. وأثر ذلك خصوصًا على جهاز الاستخبارات السرية البريطاني (MI6)، الذي يُعد أحد أكثر أجهزة الاستخبارات الغربية فاعلية على المستوى المحلي. فقد طلبت حكومة يوسف رضا جيلاني من لندن استدعاء نحو عشرين مستشارًا عسكريًا بريطانيًا كانوا يتولون تدريب قوات حرس الحدود في كويتا، عقب مقتل بن لادن.
وفي مايو/أيار 2010، وبعد اتهام رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عناصر داخل الدولة الباكستانية بدعم جماعات إرهابية، تدهورت العلاقات أيضًا، ما دفع رئيس جهاز الاستخبارات الباكستاني إلى إلغاء زيارة إلى المملكة المتحدة. وهي اضطرابات تعكس علاقة معقدة.
ويتمتع الجهاز البريطاني بامتياز خاص، إذ ساعد الآباء المؤسسون لباكستان في إنشاء جهاز الاستخبارات الباكستاني بفضل الجنرال والتر كاوثورن. ورغم اضطرار عدد من ضباط جهاز الاستخبارات السرية البريطاني إلى الإجلاء سرًا على مدى العقود الماضية، لم يُكشف اسم أي ضابط منهم علنًا قط، وهي ممارسة لا تليق كثيرًا بسادة دول الكومنولث. ولا سيما أن الجهازين يتشاركان أسرارهما الخاصة، فقد عمل جهاز الاستخبارات الباكستاني مرارًا بصفة متعاقد من الباطن لصالح الجهاز البريطاني عندما يحتاج الأخير إلى استجواب مواطنين بريطانيين من أصل باكستاني يُشتبه في تورطهم في الإرهاب. وتُسهم عمليات الاستجواب المعززة هذه في بناء صداقات بعيدًا عن الأضواء.
ومع ذلك، لا تمنع هذه الروابط التاريخية جهاز الاستخبارات الباكستاني من نصب الفخاخ الجنسية لممثلي بريطانيا في باكستان. ووفقًا لمصادرنا، حدث ذلك على وجه الخصوص عام 2010، عندما استُدعي دبلوماسي بريطاني وقع ضحية للإغراءات المحلية سريعًا إلى لندن. وهذا ما حدث أيضًا للملحق العسكري البريطاني في إسلام آباد، أندرو دوركان، عام 2005.
وحتى اليوم، لا يزال جهاز الاستخبارات السرية البريطاني أحد أجهزة الاستخبارات الغربية القليلة التي تتمتع بإمكانية الوصول إلى صميم جهاز الاستخبارات الباكستاني. فبفضل تدريب مئات العناصر الباكستانيين على أيدي نظرائهم البريطانيين، ضمنت لندن لنفسها موطئ قدم لا مثيل له داخل النخبة الأمنية في البلاد. فضلًا عن أن كثيرًا من أبناء جنرالات جهاز الاستخبارات الباكستاني يدرسون في الجامعات البريطانية. وخلال إقامتهم في لندن، لا يفوّت هؤلاء الضباط الكبار فرصة زيارة النادي الشرقي (Oriental Club) في شارع بوند.
ويمكن للندن أيضًا الاعتماد على الجالية الباكستانية الكبيرة المقيمة في المملكة المتحدة. فبفضلها، تمكن جهاز الاستخبارات البريطاني، قبل بضع سنوات، من إرسال عناصر سرًا إلى إسلام آباد لإدارة مصادر رفيعة المستوى في القطاع النووي، على سبيل المثال. وتعني تحديات العمل الاستخباراتي في باكستان أيضًا أن مجرد نجاح الجاسوس البريطاني في تجاوز تجربة إسلام آباد يمنحه دفعة مهنية كبيرة داخل الجهاز. فكثير من هؤلاء المخضرمين يتولون لاحقًا مناصب عليا أو يحصلون على تعيينات مرموقة، مثل العمل في واشنطن.
وفاة عميل ألماني
يتمتع جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني (BND) بميزة أنه لم يسبق له الانخراط في القضايا النووية، ما يتيح له الحفاظ على علاقات جيدة دون امتلاك أجندة خفية تتعلق بمنع الانتشار النووي. ومع ذلك، واجهت برلين مؤخرًا حادثة مأساوية. ففي عام 2025، توفي ضابط الاستخبارات الألماني المخضرم توماس ب. في إسلام آباد، وأثارت وفاته آنذاك شكوكًا. لكن وفقًا لوكالة أسوشيتد برس الباكستانية (APP)، كشفت النتائج الأولية أن الألماني كان يعاني سابقًا من مشكلات في القلب، اعتبرها المحققون سببًا محتملًا للوفاة. وعندما تواصلت إنتليجنس أونلاين مع جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، رفض التعليق.
جهاز الاستخبارات الخاضع لعاصم منير
يثير جهاز الاستخبارات الباكستاني الرهبة لدى أجهزة الاستخبارات الأجنبية وعملائها المتمركزين في باكستان، كما تخشاه الأجهزة الاستخباراتية الأخرى داخل البلاد. وباعتباره الذراع التنفيذية للقائد العسكري واسع النفوذ عاصم منير، رسّخ الجهاز مكانته باعتباره الجهة الوحيدة القادرة على حماية الأمن القومي.
حرب الظل في إسلام آباد
سيضطر "هاري القذر" الباكستاني إلى إعادة مسدسه من طراز سميث آند ويسون موديل 29 إلى جرابه لبعض الوقت. فقد عُيّن اللواء فيصل نصير في 4 سبتمبر/أيلول رئيسًا للهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب، وهو الذي أطلق عليه رئيس الوزراء السابق المسجون عمران خان لقب "هاري القذر"، نسبة إلى شخصية الشرطي الأسطورية التي جسدها كلينت إيستوود. وكان خان قد اتهمه عام 2022 بمحاولة قتله، قبل أن يتراجع عن اتهامه لعدم وجود أدلة. ولا يُعد هذا التعيين ترقية حقيقية لرجل شغل سابقًا منصب الرجل الثاني في جهاز الاستخبارات الباكستاني. فرغم أن منصبه الرسمي كان المدير العام لمكافحة التجسس في الجهاز، فإنه تولى فعليًا مسؤولية جميع أنشطة جناحه الداخلي.
الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب جهاز مدني أُنشئ عام 2008، لكنه لم يتحول إلى المؤسسة التي نص عليها القانون، أي هيئة لقيادة وتنسيق جهود مكافحة الإرهاب. ومع ذلك، أصبح نصير أول ضابط عسكري يتولى رئاسة هذه الهيئة الثانوية ضمن المنظومة الاستخباراتية الباكستانية، والتي تتبع وزارة الداخلية، وكان يرأسها سابقًا ضباط شرطة.
ويعكس تعيينه بالدرجة الأولى القبضة المحكمة لقائد الجيش عاصم منير على جميع المؤسسات المرتبطة بالاستخبارات في البلاد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وكان منير أحد أقصر رؤساء جهاز الاستخبارات الباكستاني بقاءً في المنصب، إذ أقاله خان عام 2019 بعد ثمانية أشهر فقط. ولا يشكل جهاز الاستخبارات الباكستاني استثناء من هذه السيطرة، رغم أنه لا يزال الجهاز الاستخباراتي المفضل لدى المؤسسة العسكرية. فعلى الرغم من أنه يفترض قانونيًا أن يتبع رئيس الوزراء، الذي يشغل منصبه حاليًا شهباز شريف، فإنه يخضع أولًا وقبل كل شيء للمشير الباكستاني.
القائد الأعلى للقادة
قبل بضعة أشهر، أعاد منير هيكلة القوات المسلحة الباكستانية بصورة جذرية لتعزيز سيطرته عليها. فقد أُقر قانون قوات الدفاع الباكستانية في 20 أغسطس/آب، استكمالًا للتعديل الذي أُدخل على المادة 243 من الدستور في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، والذي ضمن فعليًا حصانة مدى الحياة لقائد القوات المسلحة. وألغى التشريع منصب رئيس لجنة رؤساء الأركان المشتركة، الذي كان يشغله سابقًا ساحر شمشاد ميرزا، وكان مخصصًا لتنسيق العمل بين الأفرع الثلاثة للقوات المسلحة.
وحل محل هذا المنصب منصب قائد قوات الدفاع، الذي يتولاه منير، بعدما كان قد مدد ولايته على رأس المؤسسة العسكرية خلال السنوات الأخيرة. ولم يعد المنصب يقتصر على التنسيق، حيث أصبح يتضمن القيادة العملياتية لجميع القوات المسلحة الباكستانية. ويشمل ذلك أجهزة الاستخبارات، إذ يمتلك كل فرع عسكري جهازه الخاص، ويُعد جهاز الاستخبارات العسكرية التابع للجيش الباكستاني أكثرها حظوة، وهو الجهاز الذي ترأسه منير أيضًا لفترة وجيزة قبل تعيينه رئيسًا لجهاز الاستخبارات الباكستاني المشترك.
وأُنشئت أيضًا خلال الصيف قيادة استراتيجية وطنية لحماية الترسانة النووية للبلاد، ووضع منير على رأسها عامر رضا، الذي شغل سابقًا منصب رئيس أركان الجيش، ورُقّي إلى رتبة جنرال بأربع نجوم. ويُنظَر إليه باعتباره الذراع اليمنى لمنير داخل المؤسسة العسكرية الباكستانية.
ومع ذلك، ينبغي وضع بعض التحفظات على مدى إحكام هذه السيطرة على الجيش وجهاز الاستخبارات الباكستاني. فالشبكات الشخصية، سواء كانت قبلية أو دينية أو سياسية، تتقدم إلى حد كبير على التسلسل القيادي الرسمي. وكما قال ضابط استخبارات غربي سابق عمل في البلاد لموقع إنتليجنس أونلاين: إنها الدولة الوحيدة في العالم التي رأيت فيها بأم عيني ضباطًا يتصرفون بحزم ضد الأوامر التي تلقوها من رؤسائهم، وبصورة مباشرة وعلنية. ويضاف إلى ذلك الطابع الاتحادي للدولة الباكستانية، الذي لا يستثني جهاز الاستخبارات الباكستاني؛ فمع وجود آلاف العناصر المنتشرين في مكاتبه الإقليمية بمختلف أنحاء البلاد، ليس من النادر أن تقرر فروع الجهاز في لاهور أو كراتشي عدم الامتثال لأوامر المقر الرئيسي في إسلام آباد، إذا كان تنفيذها لا يخدم مصالحها الخاصة.
مديرون عامون بعيدون عن الأضواء
ومع ذلك، فإن تركيز السلطة يتيح لمنير ترقية أي شخص داخل المؤسسة العسكرية أو إقالته، ولا سيما في قيادة جهاز الاستخبارات الباكستاني، حيث ينحدر غالبية كبار الضباط، مثله، من إقليم البنجاب. وكان هذا هو الحال مع تعيين نديم أنجم، الذي سبق الرئيس الحالي للجهاز عاصم مالك. ورغم أن الإطار القانوني الباكستاني لا ينص على إجراءات محددة لتعيين رئيس جهاز الاستخبارات الباكستاني، باستثناء اشتراط أن يكون جنرالًا بثلاث نجوم، فإن العرف يقضي بأن يقدم قائد الجيش قائمة مختصرة تضم ثلاثة أسماء إلى رئيس الوزراء، الذي يختار أحدهم لتولي المنصب.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2021، عندما كان خان لا يزال رئيسًا للوزراء، قرر سلف منير في قيادة الجيش، رئيس الأركان السابق قمر جاويد باجوا، تعيين أنجم من تلقاء نفسه خلفًا للجنرال فيض حميد. وكان خان يفضل استمرار حميد على رأس جهاز الاستخبارات الباكستاني، لكن الجنرال انتهى به المطاف في السجن إلى جانب خان، على خلفية اتهامات وجهتها القيادة العسكرية الجديدة.
وفي إطار سعيه إلى إبعاد جهاز الاستخبارات الباكستاني عن السياسة، عقد أنجم مؤتمرًا صحفيًا، هو الأول والوحيد الذي يعقده رئيس للجهاز على الإطلاق، حاول خلاله دحض الاتهامات التي وجهها خان بشأن وفاة الصحفي الباكستاني أرشد شريف في كينيا، والذي كان يحقق في هيمنة المؤسسة العسكرية على إسلام آباد.
نظام سياسي هجين
وفي الوقت نفسه، أخفق أنجم إلى حد كبير في الحد من هجمات حركة طالبان الباكستانية داخل باكستان، وهي الحركة التي اتُّهم نظام طالبان في كابول بالتغاضي عن أنشطتها، فاستُبدل به مالك في سبتمبر/أيلول 2024. وجاء ذلك رغم أن أنجم حافظ حتى النهاية على قنوات الاتصال مع النظام الأفغاني الجديد، وعلى العلاقات القديمة لجهاز الاستخبارات الباكستاني مع شبكاته في الدولة المجاورة غربًا، مثل شبكة حقاني.
وجاء تعيين مالك، نجل القائد السابق للفيلق العاشر غلام محمد مالك، دون أن يكون للسلطة المدنية، المتمثلة في رئيس الوزراء شريف، أي رأي في القرار. فشريف يمثل الواجهة السياسية لنظام هجين تظل فيه السلطة السيادية خاضعة لسيطرة المؤسسة العسكرية وقائدها. ويتجلى هذا التحكم العسكري المطلق في اختيار مالك دون أي اعتبار لخبرته الفعلية في الشؤون الاستخباراتية؛ إذ كان يشرف حتى ذلك الحين على الشؤون التأديبية والقانونية في المقر العام للقيادة العسكرية، ولم يسبق له قيادة أي فيلق عسكري. ولم يمنع ذلك تعيينه أيضًا مستشارًا للأمن القومي في أبريل/نيسان 2025. ويرى البعض، ولا سيما المقربون من خان، أن مالك يقف وراء اعتقال رئيس الوزراء السابق، تنفيذًا لأوامر منير.
التركيز على الاستخبارات الداخلية
ومهما يكن من أمر، فإن تغيير رئيس الجهاز لم يؤثر إلا قليلًا جدًا في توجهه الاستراتيجي. غير أن إحكام منير قبضته على الدولة الباكستانية منح الجهاز حرية للعمل، وبصورة قانونية تمامًا الآن، في صميم البلاد. ولعل أحد أبرز الأمثلة على ذلك التفويض المفتوح الذي منحته حكومة شريف لجهاز الاستخبارات الباكستاني في يوليو/تموز 2024، لاعتراض المكالمات والرسائل المرسلة عبر جميع أنواع أنظمة الاتصالات وتعقبها، لأغراض تتعلق بالأمن القومي.
ولم يضف هذا القرار سوى إضفاء الطابع الرسمي على وضع كان قائمًا بالفعل، فحجب الإنترنت ومراقبة مستخدميه في بلد يتجاوز عدد سكانه 250 مليون نسمة ممارستان يمتلك الجهاز خبرة واسعة فيهما. ولا يترك جهاز الاستخبارات الباكستاني، ولا سيما من خلال الإدارة العامة لمكافحة التجسس، مجالًا كبيرًا لأجهزة الاستخبارات الداخلية الأخرى في البلاد، خصوصًا الأجهزة المدنية مثل مكتب الاستخبارات ووكالة التحقيقات الفيدرالية. وتقتصر مهام هذين الجهازين التابعين لوزارة الداخلية على مكافحة التهريب بمختلف أشكاله والجريمة المنظمة، شريطة ألا ترتبط هذه القضايا بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالأمن القومي.
وفي أبريل/نيسان، اضطر وزير الداخلية محسن نقوي إلى الاعتراف علنًا بأن الفساد داخل صفوف وكالة التحقيقات الفيدرالية دفعه إلى إطلاق عملية إصلاح واسعة النطاق للجهاز، الذي كان يُنظر إليه دائمًا باعتباره مكانًا لإبعاد الضباط الذين فقدوا حظوتهم. وكان جهاز الاستخبارات الباكستاني قد حقق، منذ عام 2006، في شبكة فساد واسعة ضمت ضباطًا من وكالة التحقيقات الفيدرالية يعملون على الحدود، وسمحوا لمنفذ تفجير حديقة نشتر في كراتشي بدخول باكستان.
وقد عزز ذلك انعدام الثقة المتجذر منذ فترة طويلة داخل المؤسسة العسكرية الباكستانية تجاه نظيراتها المدنية عندما يتعلق الأمر بقضايا السيادة الوطنية. ويحدث هذا رغم أن جهاز الاستخبارات الباكستاني، الذي يقوده عسكريون ويضم ما بين 20 و30 ألف عنصر، يعتمد بصورة أساسية على المدنيين وشبكة محلية من المخبرين الذين يتقاضون أموالًا مقابل المعلومات الاستخباراتية التي يقدمونها.
أدوات العمل الاستخباراتي
لتنفيذ عمليات المراقبة داخل البلاد، يعتمد جهاز الاستخبارات الباكستاني على عدد كبير من الشركات للحصول على أحدث التقنيات من الشركات المتخصصة في المراقبة الإلكترونية حول العالم. ومن بينها شركة ميران إنترناشيونال (Miran International)، التي تتخذ من كراتشي مقرًا لها. فقد زودت الجهاز قبل عدة سنوات بأجهزة تسجيل فيديو سرية مدمجة في هواتف محمولة، من إنتاج شركة Pro4Sec الكرواتية. كما تواصلت مع شركة هاكينغ تيم (Hacking Team) الإيطالية، المعروفة حاليًا باسم Memento Labs، لتزويد الجهاز بحلول لاختراق الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر والبرمجيات. لكن المشروع أُلغي في نهاية المطاف.
ويمتلك الجهاز داخل البلاد أيضًا متعاقدين من الباطن، مثل مركز البحوث المتقدمة في الهندسة (CARE)، الذي يطور حلولًا لاستخبارات الإشارات لاعتراض الاتصالات ومعالجة البيانات، فضلًا عن ريادته في مجال مراقبة الإنترنت. وهو مجال يتسابق فيه متخصصون من مختلف أنحاء العالم للعمل مع المؤسسة العسكرية الباكستانية وجهاز الاستخبارات الباكستاني، ولا سيما الخبراء الصينيون، وكذلك الخبراء الغربيون، كما أظهر تحقيق نشرته منظمة العفو الدولية في سبتمبر/أيلول 2025.
عاصم منير يواجه صعوبات في احتواء الهند
يبدو جهاز الاستخبارات الباكستاني في أوج قوته، بعدما أحكم سيطرته في الداخل، وأصبح أقرب من أي وقت مضى إلى واشنطن، مع احتفاظه بتحالفه مع بكين. وتوفر هذه الظروف المواتية للرجل القوي في باكستان، عاصم منير، فرصة لتركيز اهتمامه على التهديد الوجودي المستمر الذي تمثله الهند المجاورة.
أثارت عملية مكافحة التجسس الهندية "فايروول-2026" موجة من الاضطرابات داخل صفوف البحرية الهندية خلال الأيام القليلة الماضية. فقد تواصل ما لا يقل عن 13 بحارًا، خلال الأشهر الأخيرة، عبر الإنترنت مع جوشيتا بال، التي تعمل في حوض لبناء السفن في مومباي، أو أنفي ميهتا، وهي أخصائية نفسية من نيودلهي. ووفقًا للاستخبارات الهندية، يقف جهاز الاستخبارات الباكستاني وراء هاتين الهويتين المستخدمتين في حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويُعتقد أن جهاز الاستخبارات الباكستاني استخدم الأسلوب التقليدي لما يُعرف بثاني أقدم مهنة في العالم، وهو الفخ الجنسي. ويقوم هذا الأسلوب على إقامة علاقة عاطفية مع الشخص المستهدف، افتراضيًا في هذه الحالة، بهدف انتزاع معلومات منه أو تهديده بفضح العلاقة مقابل الحصول على معلومات استخباراتية. وقد اختار بعض المستهدفين تلقي أموال مقابل تقديم معلومات عن تحركات سفن الأسطول الهندي.
وللتمكن من التواصل عبر مجموعات واتساب في الهند انطلاقًا من باكستان دون إثارة قدر كبير من الشكوك، يُعتقد أن جهاز الاستخبارات الباكستاني يشتري شرائح اتصال هندية محلية، تُرسل بعد ذلك إلى باكستان عبر دبي. وفي أواخر أغسطس/آب، اعتُقل زوجان هنديان شابان، جرى تجنيدهما عبر وسائل التواصل الاجتماعي عام 2024، بتهمة إرسال ثماني شرائح اتصال إلى باكستان مقابل مبلغ يزيد قليلًا على 300 دولار، أي 30 ألف روبية هندية.
وأعلنت أجهزة مكافحة التجسس الهندية أنها احتجزت 18 مشتبهًا به خلال عملية "فايروول-2026" من بينهم البحارة الثلاثة عشر. وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول، اعتُقل اثنان منهم للاشتباه في وقوعهما في الفخ وتسريبهما معلومات عن قاعدة فيساخاباتنام البحرية على الساحل الشرقي للهند، المعروفة باحتضانها عدة غواصات نووية من فئة أريهانت، تعمل بالطاقة النووية ومجهزة بصواريخ باليستية.
ويمثل ذلك أحدث مثال نموذجي على الاستراتيجية التي تتبعها باكستان ومؤسستها العسكرية وأجهزتها الاستخباراتية ضد جارتها الهند، عدوها التاريخي الذي يشكل هاجسها الرئيسي منذ تأسيس الدولة عام 1947. ففي خطاب أمام مجلس الأمن الدولي عام 1965، أعلن الدبلوماسي آنذاك ذو الفقار علي بوتو حربًا ستستمر ألف عام ضد الهند.
وبعد الهزيمة الساحقة عام 1971، تطورت تلك العقيدة إلى استراتيجية "إدماء الهند بألف جرح"، التي لا تزال راسخة داخل جهاز الاستخبارات الباكستاني. وتقوم هذه الاستراتيجية على الحرب بالوكالة، باستخدام العمليات غير المباشرة والتمرد، بل وتمويل الجماعات المسلحة، بدلًا من خوض حرب تقليدية قد تؤدي إلى استخدام الأسلحة النووية. وقد اقتصرت الحرب الهندية-الباكستانية في مايو/أيار 2025 على أربعة أيام من تبادل الضربات على الأرض.
حملة علاقات عامة ناجحة
نجح عاصم منير، قائد قوات الدفاع الباكستانية، ببراعة في استثمار الصراع. فقد استغل خصوصًا تدهور العلاقات بين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ودونالد ترامب لدفع أجندته قدمًا. وبينما شكرت إسلام آباد الرئيس الأمريكي على تسهيل التوصل إلى اتفاق سلام أنهى الحرب، قللت نيودلهي، في المقابل، من أهمية دوره. وكانت تلك خطوة محسوبة من جانب باكستان لاستمالة ترامب، المعروف بتجاوبه مع مثل هذه المبادرات.
كما أعرب ترامب عن تقديره لدعم باكستان ترشيحه لجائزة نوبل للسلام في يونيو/حزيران 2025. وفي الآونة الأخيرة، وتحديدًا في 16 سبتمبر/أيلول، وقّع منير مذكرة تفاهم وقدم طلب شراء إلى شركة باوروس (Powerus) الأمريكية المصنعة للطائرات المسيّرة، التي تحظى بدعم مالي من الدائرة المحيطة بأبناء ترامب.
ويبدو أن الأيام التي كتب فيها الرئيس الأمريكي، خلال ولايته الأولى عام 2018، أن باكستان توفر ملاذًا آمنًا للإرهابيين الذين نلاحقهم في أفغانستان، أصبحت من الماضي البعيد.
وفي الوقت نفسه، وبعد استعادة حركة طالبان السيطرة على كابول في أغسطس/آب 2021، اضطرت الدولتان وجهازاهما الاستخباراتيان، جهاز الاستخبارات الباكستاني ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، إلى التعاون على نحو غير مسبوق. فكلما وقع حدث في العاصمة الأفغانية، كانت إسلام آباد وواشنطن أول من يتواصل بشأنه. ولهذا السبب، استقبل الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض بحفاوة كبيرة في يونيو/حزيران 2025، ليس رئيس الوزراء شهباز شريف، بل رئيس أركان الجيش منير وذراعه اليمنى، مدير جهاز الاستخبارات الباكستاني عاصم مالك.
ومع ذلك، كان الرجل الذي أصبح الآن قائد قوات الدفاع الباكستانية يحظى أصلًا بتقدير واشنطن، إذ نُظر إلى تعيينه رئيسًا لجهاز الاستخبارات الباكستاني عام 2018 باعتباره بادرة حسن نية تجاه الولايات المتحدة. وقد خلف منير في ذلك المنصب نويد مختار، الذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره متعاطفًا أكثر من اللازم مع حركة طالبان وشبكة حقاني.
وإلى جانب إتاحة الفرصة لمبعوثي إسلام آباد لمناقشة الملف الإيراني قبل بضعة أشهر من الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي على طهران، شكلت زيارة يونيو/حزيران أيضًا مناسبة لوكالة الاستخبارات المركزية لتقديم شكر رسمي إلى جهاز الاستخبارات الباكستاني على تعاونه في مكافحة الإرهاب في أفغانستان.
ومع ذلك، فإن زيادة تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الوكالة التي تتخذ من لانغلي مقرًا لها وجهاز الاستخبارات الباكستاني، خصوصًا بشأن جماعات مثل القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية، لا تعني أن العلاقة بينهما قائمة على ثقة مطلقة. وفي هذا السياق، يقدم الموسم الرابع من المسلسل التلفزيوني الأمريكي "هوملاند"، رغم امتلائه بالصور النمطية، تصويرًا دقيقًا لتصور وكالة الاستخبارات المركزية بأن شركاءها الباكستانيين ربما كانوا، وربما لا يزالون، يمارسون لعبة مزدوجة معها.
النفوذ الهندي في أفغانستان
لم يسبق أن تمتع رئيس أركان باكستاني بمثل هذا التوافق المثالي في الظروف. فمنير، الذي يوصف بأنه المشير المفضل لترامب، ويستفيد من علاقاته مع إيران مع احتفاظه بقربه من بكين، يستثمر نافذة الفرص التي انفتحت أمامه خلال الأشهر الأخيرة. فضلًا عن أنه أصبح الحاكم الفعلي بلا منازع لنظام ذي واجهة مدنية، يمارس فيه سيطرة مطلقة على كل ما يرتبط بالأمن القومي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ويتيح له هذا المستوى من السيطرة استخدام كامل نفوذه، عبر إحدى أدواته المفضلة، جهاز الاستخبارات الباكستاني، لمواجهة التهديد الأول المتمثل في الهند. غير أن هذه القوة حققت نتائج متباينة على الأرض.
ويتجلى ذلك بصورة خاصة في أفغانستان. ففي 11 أكتوبر/تشرين الأول، فرضت السلطات الباكستانية حالة الطوارئ في إقليم خيبر بختونخوا شمال غربي البلاد، المتاخم لأفغانستان. وأُقيل حاكم الإقليم سهيل أفريدي، وهو الحاكم الوحيد في البلاد المنتمي إلى حزب حركة الإنصاف الباكستانية الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق عمران خان، واحتُجز.
واتُّهم أفريدي بالتقاعس المتعمد عن مكافحة الإرهاب، وتعكس إقالته المأزق الذي تواجهه المؤسسة الحاكمة الباكستانية في التعامل مع التهديدات القادمة من جارتها الغربية. كما تُظهر أن المؤسسة العسكرية وجهاز الاستخبارات الباكستاني لا يزالان يعتزمان التدخل في الشؤون السياسية للبلاد، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بإبعاد المقربين من القائد السابق للمنتخب الوطني للكريكيت، المسجون منذ أغسطس/آب 2023، عن السلطة.
لطالما احتلت أفغانستان موقعًا محوريًا في عقيدة "العمق الاستراتيجي" الباكستانية، التي تسعى إلى الحفاظ على النفوذ في كابول بهدف الاستفادة من الأراضي الأفغانية في حال اندلاع صراع مع الهند. غير أن هذه الاستراتيجية تعرضت للتقويض منذ عودة طالبان إلى السلطة في كابول في أغسطس/آب 2021. ولا تزال المؤسسة العسكرية الباكستانية تتهم طالبان بغض الطرف عن وجود جماعات إرهابية على أراضيها، ولا سيما حركة طالبان الباكستانية، وجيش تحرير بلوشستان.
وشنت هذه الجماعات خلال السنوات الأخيرة مئات الهجمات داخل باكستان انطلاقًا من قواعدها الخلفية في أفغانستان. ورغم نشر موارد عسكرية واستخباراتية كبيرة على الأرض، لم تظهر الهجمات التي تستهدف باكستان مؤشرات تُذكر على التراجع على امتداد خط ديوراند الفاصل بين البلدين. وتجلى ذلك في الهجوم الانتحاري الذي نفذته حركة طالبان الباكستانية في 18 سبتمبر/أيلول ضد مسجد ملاصق لمقر الشرطة في مدينة كوهات، شمال غربي باكستان أيضًا. وفي ظل العجز الظاهر عن الحد من العنف، تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى جهاز الاستخبارات الباكستاني والجيش في مختلف أنحاء البلاد.
وترى باكستان أن الهند تقف وراء ما أصبح صراعًا على مستوى الدولتين بين كابول وإسلام آباد. فقد أعاد مستشار الأمن القومي الهندي أجيت دوفال تنشيط شبكات نيودلهي مع طالبان عام 2025، مع تقارب مصالح الطرفين. ويسعى النظام في كابول إلى تحقيق الاستقلالية وبناء تحالفات جديدة، بعدما ظل لفترة طويلة خاضعًا لسيطرة محكمة من إسلام آباد وجهاز الاستخبارات الباكستاني. ومن جانبها، ترحب نيودلهي بإبرام اتفاق مع طالبان، في إطار سعيها إلى زعزعة استقرار عدوها المفضل بأي ثمن.
جهاز الاستخبارات الصيني في حالة تأهب
انقطعت الآن قنوات الاتصال مع أصدقاء باكستان السابقين الذين يقودون شبكة حقاني المتحالفة مع طالبان. وفي إطار اتفاق مكة الدفاعي الثلاثي، الموقع في أغسطس/آب بين أنقرة وإسلام آباد والرياض، لجأ جهاز الاستخبارات الباكستاني مؤخرًا إلى جهاز الاستخبارات التركي لإجراء وساطة حساسة. وقد سافر رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن إلى كابول وقندهار في منتصف سبتمبر/أيلول للقاء مسؤولين أمنيين في طالبان، من بينهم وزير الداخلية سراج الدين حقاني، الذي لا تزال واشنطن تعرض مكافأة مالية مقابل القبض عليه. ثم أطلع قالن منير ومالك في إسلام آباد على نتائج محادثاته. وشكل ذلك إشارة ضمنية إلى القطيعة مع بعض الشبكات التي بناها جهاز الاستخبارات الباكستاني على مدى عقود. فقد حظيت شبكة حقاني بدعم نشط من إسلام آباد، منذ الغزو السوفيتي وحتى الأشهر الأولى من عودة حكم طالبان عام 2021.
وكان رئيس جهاز الاستخبارات الباكستاني قد حاول فتح قنوات اتصال مع أجهزة استخبارات أخرى في المنطقة لا ترتبط بتحالف وثيق مع الهند، مثل بنغلاديش في مطلع عام 2025، مع حكومة محمد يونس، الذي كان قد أطاح للتو بحكومة الشيخة حسينة الموالية بشدة لنيودلهي. وجاء ذلك عقب اجتماع مع رئيس طاجيكستان إمام علي رحمن، الذي عانت بلاده أيضًا من هجمات إرهابية عابرة للحدود نفذتها جماعات تتمركز في أفغانستان المجاورة. واستهدفت هذه الهجمات أحيانًا مواطنين صينيين يعملون في مشروعات إنشائية كبرى تنفذها بكين في البلدين.
ولذلك، تركز سياسة جهاز الاستخبارات الباكستاني تجاه وزارة أمن الدولة الصينية المعروفة باسم «غوآنبو» (Guoanbu)، قبل كل شيء على طمأنة بكين إلى قدرته على منع الهجمات ضد المواطنين الصينيين والمصالح الاقتصادية الصينية داخل البلاد. وهي قضايا يواجه فيها الجهاز صعوبات متزايدة في إقناع بكين بقدرته على التعامل معها.
وتعاون الجهاز الباكستاني أيضًا خلال السنوات الأخيرة مع نظرائه الصينيين، من خلال تزويدهم بمعلومات استخباراتية عن الجماعات الجهادية في المنطقة، ولا سيما الحزب الإسلامي التركستاني الذي يتكون في معظمه من الإيغور. وكان الحزب مسؤولًا عن هجمات عديدة في شينجيانغ، كما حظي هو الآخر بحماية طالبان.
وفي المقابل، يمكن لجهاز غوآنبو أن يقدم مساعدة مفيدة فيما يتعلق بالهند، وهي قضية تحظى باهتمام مشترك. غير أن بكين أظهرت مؤخرًا تزايدًا في عدم الثقة بجهاز الاستخبارات الباكستاني، في ظل التقارب البارز بين واشنطن وباكستان. فقد تُغرى بعض الجهات شديدة الفضول بمحاولة كشف أسرار الصناعة الدفاعية الصينية، التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببرنامج التحديث العسكري الباكستاني.
