تصاعد وتيرة الهجمات في بلوشستان بإيران

    أحمد مولانا
    أحمد مولانا
    الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
    تصاعد وتيرة الهجمات في بلوشستان بإيران

    تصاعدت وتيرة العمليات الأمنية والهجمات المسلحة خلال شهر أكتوبر الجاري في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرق إيران، حيث أعلنت السلطات مقتل أحد عناصر الشرطة إثر هجوم على نقطة تفتيش في مدينة راسك، فيما قُتل شرطيان وأصيب ثالث في هجوم استهدف دورية تابعة لمركز شرطة نوكجو في بامبو، كما أعلن الحرس الثوري مقتل أحد عناصره إثر انفجار عبوة ناسفة زرعها مسلحون على أحد الطرق في المحافظة.

    كذلك تعرضت دوريتان أمنيتان عقب خروجهما من مقر قيادة الشرطة في مدينة كلشن لانفجار وإطلاق نار، ما أسفر، وفق السلطات، عن مقتل أحد المهاجمين وإصابة آخرين، وقُتل ضابط في هجوم استهدف دورية للقوات الخاصة التابعة لقوى الأمن الداخلي في منطقة نصرت آباد على طريق خاش–زاهدان، فيما أفاد التلفزيون الإيراني بتعرض حافلة تقل موظفين تابعين للقوات البرية للجيش لهجوم في منطقة نيكشهر.

    وفي زاهدان، قُتلت مساعدة قائد شرطة المحافظة للشؤون الاجتماعية، السيدة افتخاري، إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت على جانب الطريق أثناء مرور سيارتها، وأعلنت جماعة "جيش العدل" مسؤوليتها عن الهجوم. وفي راسك، قُتل مواطن متأثرًا بإصابته في هجوم استهدف سيارة مدنية بحسب السلطات الإيرانية.

    وفي المقابل، كثفت الأجهزة الأمنية عمليات الملاحقة والمداهمة، إذ أعلنت القوات البرية للحرس الثوري مقتل ستة مسلحين في زاهدان وضبط عبوات ناسفة بحوزتهم، كما أعلنت تفكيك خلية أخرى ومقتل اثنين من عناصرها، وأفادت وزارة الاستخبارات بتفكيك ثلاث خلايا قبل تنفيذ هجمات، ومقتل اثنين من عناصرها واعتقال عشرة آخرين وضبط أسلحة وذخائر، كما أعلنت السلطات اعتقال ثلاثة عناصر من جيش العدل في تشابهار، ومصادرة أسلحة بحوزتهم.

    تشير تلك الهجمات إلى تنامي حالة الاستنزاف الأمني في سيستان وبلوشستان، فرغم عمليات المداهمة الاستباقية تمكنت المجموعات المسلحة البلوشية من استهداف عناصر الشرطة والحرس الثوري والجيش في مناطق متفرقة. ويكشف توزع الحوادث بين زاهدان وراسك وبامبور وكلشن ونيكشهر وتشابهار عن اتساع نطاق الجغرافي، بما يشير إلى وجود خلايا وشبكات قادرة على العمل في مناطق متفرقة.

    ويبرز في تكتيك العمليات الاعتماد على الهجمات الصغيرة والمتفرقة، من خلال استهداف نقاط التفتيش والدوريات والطرق بالأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة، ويتيح هذا النمط إيقاع خسائر في صفوف الأجهزة الأمنية دون الحاجة إلى السيطرة على مناطق أو الدخول في مواجهات عنيفة مع قوات تتفوق عليها في العدد والتسليح، ويفرض استهداف الدوريات أثناء تحركها، ولا سيما على طريق خاش–زاهدان، على الأجهزة الأمنية تخصيص موارد إضافية لتأمين الطرق والمركبات وحركة الأفراد خارج مقارهم.

    ويشير اغتيال مساعدة قائد شرطة المحافظة للشؤون الاجتماعية إلى امتداد التهديد إلى المسؤولين المرتبطين بالوظائف الإدارية والمجتمعية للمؤسسة الأمنية. ومن شأن هذا النمط زيادة الأعباء المتعلقة بحماية المسؤولين وتأمين تحركاتهم.

    وفي المقابل، يكشف إعلان الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات تفكيك عدة خلايا ومقتل واعتقال عناصر منها عن تكثيف الجهد الاستخباراتي والاستباقي، لتعطيل القدرات العملياتية للمجموعات المسلحة قبل استخدامها. لكن استمرار الهجمات يبرز محدودية النتائج المتحققة، ويشير إلى أن القضاء على بعض الخلايا لا يكفي لتفكيك قدرة الجماعات البلوشية على تجنيد عناصر جديدة.

    وتزيد الطبيعة الحدودية لبلوشستان من صعوبة المعالجة الأمنية؛ فامتدادها بمحاذاة باكستان وأفغانستان، واتساع مناطقها الصحراوية والجبلية، يوفر بيئة صعبة للمراقبة والملاحقة. وتكتسب المناطق القريبة من الحدود الباكستانية أهمية بسبب تكرار الهجمات فيها، وما تتيحه التضاريس والامتدادات السكانية العابرة للحدود من تحديات أمام ضبط حركة الأفراد. ولذلك يمثل التعاون الأمني مع إسلام آباد عنصرًا مكملًا للعمليات الإيرانية، لا سيما في تبادل المعلومات وملاحقة المجموعات التي تستفيد من المناطق الحدودية.

    وترجع جذور الاضطرابات في سيستان وبلوشستان إلى تداخل عوامل قومية ومذهبية واقتصادية وأمنية، إذ تقطن المحافظة أغلبية بلوشية تنتمي إلى المذهب السني. وقد تراكمت التوترات نتيجة شكاوى تتعلق بالتمييز المذهبي وضعف التمثيل السياسي والتعامل الأمني مع الاحتجاجات الشعبية فضلا عن ضعف التنمية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بالمحافظة. وساهمت هذه الظروف في ظهور جماعات مسلحة، من أبرزها "جند الله" التي برزت خلال العقد الأول من الألفية، ثم "جيش العدل" الذي ظهر بداية من عام 2012، وتبنى هجمات ضد الحرس الثوري وقوات الأمن، مستندا في خطابه إلى الدفاع عن حقوق السكان السنة والبلوش.

    ويتزامن تصاعد الهجمات في سيستان وبلوشستان مع استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وتواصل الهجمات على الملاحة في مضيق هرمز، بالتوازي مع التهديدات المتبادلة بشأن استئناف العمليات العسكرية. وتربط طهران تنامي الهجمات في بلوشستان بدعم من إحدى دول الخليج للجماعات البلوشية المسلحة، وبالرغبة في إثارة الأقليات وأجواء من الاضطراب الداخلي بهدف زعزعة الأمن.

    أحمد مولانا

    أحمد مولانا

    ماجستير علاقات دولية، باحث في مجال الدراسات الأمنية والسياسية

    0
    العلامات:
    تقديرات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *