استراتيجية

    هل يمهد صعود الصين لعصر فكّ الارتباط؟

    إسلام عبد الرحمن
    إسلام عبد الرحمن
    الإثنين 30 مارس 2026
    هل يمهد صعود الصين لعصر فكّ الارتباط؟

    هل يمهد صعود الصين لعصر فكّ الارتباط؟
    إسلام عبد الرحمن

    يجادل مايكل ليند بأن تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين يقود إلى حرب باردة جديدة، لكنه يرى أن هذه الحرب الباردة الثانية تختلف جذريًا عن الأولى التي حدثت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. فبدلًا من نظام ثنائي القطبية تنحاز فيه الدول إلى أحد المعسكرين، يؤدي صعود الصين إلى عصر من فكّ الارتباط. وفي هذا الإطار، ستبتعد العديد من الدول، بما في ذلك بعض الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، عن الاصطفاف الواضح مع أي من القوتين، وتسعى إلى اتباع استراتيجيات مستقلة لتعظيم استقلاليتها وبناء مجالات نفوذ خاصة بها. ويؤدي هذا التحول، بحسب ليند، إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب ومجزأ، يتميز بتآكل التحالفات وسلوك الموازنة بين القوى.

    يرتكز طرح ليند على التمييز بين إعادة الاصطفاف (Realignment) وفكّ الارتباط (Dealignment)، وهو تمييز غير شائع نسبيًا في الأدبيات الدولية. فإعادة الاصطفاف تعني انتقال الدول من معسكر إلى آخر، بينما يشير فكّ الارتباط إلى انسحاب الدول من التحالف مع قوة كبرى دون الانضمام إلى المعسكر المقابل. ويقارن ذلك بحركة عدم الانحياز في الحرب الباردة الأولى، حيث سعت مجموعة من الدول إلى تشكيل كتلة مستقلة. أما في سياق فكّ الارتباط، فإن الدول ستعطي الأولوية لمصالحها الوطنية وتسعى إلى بناء مجالات نفوذ خاصة بها.

    ويضرب مثالًا بما يُعرف بالفنلدة (Finlandization)، حيث حافظت دول مثل ألمانيا الغربية واليابان رغم تحالفها الأمني مع الولايات المتحدة على علاقات اقتصادية مع الاتحاد السوفيتي. ثم ينتقل إلى الواقع المعاصر، حيث يرى نمطًا مشابهًا، إذ تقيم دول حليفة لواشنطن مثل اليابان وكوريا الجنوبية علاقات تجارية قوية مع الصين، بينما اعتمدت ألمانيا على روسيا في مجال الطاقة قبل الحرب في أوكرانيا. ويشير هذا إلى أن الترابط الاقتصادي المتزايد مع صعود الصين قد يتجاوز أهمية التحالفات العسكرية مع الولايات المتحدة.

    وتستند أدلة ليند إلى مزيج من السوابق التاريخية، والملاحظات الجيوسياسية، وإحصاءات التجارة، وتوقعات شركات مثل برايت هاوس كوبر للتدقيق والاستشارات. ويبرز تصاعد النزعة الحازمة لدى الصين، وإدراك العديد من الدول لاعتمادها المفرط عليها في سلاسل الإمداد، ما يدفعها إلى اتباع سياسات موازنة كما يظهر في تحالفات مثل "أوكوس" ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومع ذلك، فإن حجم التبادل التجاري والنمو الاقتصادي للصين يجعل من الصعب عزلها. كما يقدم أمثلة معاصرة مثل روسيا التي تحاول الحفاظ على نفوذها في الفضاء السوفيتي السابق، وتركيا التي تستخدم قوتها العسكرية المتزايدة لبناء مجال نفوذ في الشرق الأوسط.

    يتمتع طرح الكاتب بقدر من القوة، خاصة في تقديم مفهوم "فكّ الارتباط" الذي يبدو ملائمًا للتحولات الراهنة في النظام الدولي. كما أن استخدام البيانات التجارية يعكس بوضوح تنامي العلاقات الاقتصادية مع الصين رغم التوترات السياسية. كما أن التركيز على البعد الاقتصادي، في ظل شيخوخة السكان وغياب دافع أيديولوجي قوي في السياسة الخارجية الصينية، يجعل مفهوم فكّ الارتباط أكثر منطقية، ويُضعف التشابه بين الحرب الباردة الأولى والثانية.

    مع ذلك، يعاني الطرح من بعض نقاط الضعف، خاصة طابعه الافتراضي. فهو لا يأخذ في الاعتبار عوامل قد تؤثر على صعود الصين، مثل التراجع الديمغرافي أو احتمالات الاضطرابات الداخلية. وحتى إذا تمكن الحزب الشيوعي الصيني من تجاوز هذه التحديات، فلا ضمان لعدم ارتكابه أخطاء استراتيجية مشابهة لتلك التي ارتكبتها الولايات المتحدة، مثل التوسع المفرط أو المغامرات الخارجية.

    كما أن المصالح الأمنية قد تتفوق على العلاقات الاقتصادية، كما حدث مع ألمانيا التي فكّت ارتباطها بروسيا بعد حرب أوكرانيا، رغم اعتمادها على الطاقة الروسية. ويمكن أن يتكرر ذلك بين اليابان والصين بسبب النزاعات السيادية. كذلك، فإن فكرة بناء مجالات نفوذ إقليمية ليست سهلة، فقد تراجع نفوذ روسيا بعد الحرب في أوكرانيا، ولم تنجح تركيا بشكل كامل في بناء مجال نفوذ مستقر في الشرق الأوسط رغم تدخلاتها.

    وأخيرًا، قد تقود العلاقات التجارية المتشابكة إلى تهدئة العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، إذا اقتنعت واشنطن بعدم جدوى سياسات الاحتواء، وإذا تمكنت الصين من إثبات أنها قوة غير مهددة وفتحت أسواقها أمام الشركات الغربية.

    إسلام عبد الرحمن

    إسلام عبد الرحمن

    المدير التنفيذي ومؤسس الملتقى الاستراتيجي

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *