هل يمكن لإيران أن تمنح الولايات المتحدة لحظة شبيهة بالسويس؟

    إسلام عبد الرحمن
    إسلام عبد الرحمن
    السبت 14 مارس 2026
    هل يمكن لإيران أن تمنح الولايات المتحدة لحظة شبيهة بالسويس؟

    هل يمكن لإيران أن تمنح الولايات المتحدة لحظة شبيهة بالسويس؟

    أثارت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران جدلاً حاداً واستقطابياً منذ إطلاقها قبل نحو أسبوعين. ولم تكن الإدارة الأمريكية وحدها هي من أشادت بعملية "الغضب الملحمي" وأكدت أنها تحقق أهدافها المعلنة؛ إذ إن جزءاً معتبراً من مجتمع المحللين تبنّى التقييم نفسه.

    فقد ركّز العديد من المحللين على النجاحات التكتيكية المبكرة للعملية، ولا سيما في ساعاتها الأولى، عندما نفذت الدولتان ضربة "قطع رؤوس" استهدفت القيادة العليا للنظام الإيراني، وأدت إلى مقتل عشرات من كبار المسؤولين، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي الذي كان في مكتبه آنذاك.

    رافقت هذه الضربات عمليات تدمير واسعة للبنية التحتية العسكرية والمدنية، كما ظهرت تقارير عديدة - بعضها كان متسرعاً - تزعم حدوث تدهور ملموس في قدرات إيران الصاروخية الباليستية، مع الاستشهاد بقدر كبير من البيانات لدعم هذا التقييم.

    لكن منتقدي الحرب يشيرون إلى قدرة إيران الواضحة على امتصاص الضربة الأولى، والحفاظ على سلسلة قيادة عاملة - وإن كانت مضطربة - والمضي قدماً في تنفيذ تهديداتها بتوسيع نطاق التصعيد إقليمياً. فقد امتدت الضربات الإيرانية من إسرائيل إلى الإمارات، كما فرضت طهران إغلاقاً فعلياً لمضيق هرمز، الأمر الذي أدخل أسواق الطاقة العالمية في حالة من الاضطراب الشديد.

    ولا يزال مسار الصراع النهائي غير واضح إلى حد كبير، ويتفاقم هذا الغموض بسبب غياب أهداف استراتيجية محددة بوضوح من جانب واشنطن، وهو فراغ يجعل تحديد مخرج للحرب بالنسبة لإدارة ترامب أمراً بالغ الصعوبة، خاصة وأن الحرب تنطوي على رهانات وجودية بالنسبة لنظام يسعى إلى استعادة قوة الردع.

    وقد قارنت كثير من التعليقات حول هذه الحرب بتدخلات الولايات المتحدة السابقة في العراق وأفغانستان، خصوصاً بالنظر إلى أن تغيير النظام يبدو هدفاً رئيسياً فيها. لكن هناك تشابهاً تاريخياً آخر قد يصف اللحظة الراهنة بدقة أكبر، سواء على المستوى الإقليمي أو من حيث توازنات القوى العالمية، وهو أزمة السويس عام 1956.

    تشبيه السويس

    في عام 1956، أدى تلاقي المصالح بين إسرائيل وفرنسا والمملكة المتحدة إلى شن هذه القوى الثلاث حرباً على مصر بقيادة جمال عبد الناصر. ومن الناحية العملياتية البحتة، حققت الحملة نجاحاً مدهشاً. ففي غضون عشرة أيام، استولت إسرائيل على شبه جزيرة سيناء، بينما نفذت القوات البريطانية والفرنسية عمليات إنزال بحري وجوي في بورسعيد وبورفؤاد.

    سيطر التحالف الثلاثي على معظم منطقة القناة، وحيّد البحرية المصرية، وحقق تفوقاً جوياً كاملاً، وأنجز كل ذلك بكلفة منخفضة للغاية من حيث الخسائر العسكرية، فيما يشبه إلى حد لافت المراحل الأولى من الحملة الحالية ضد إيران.

    لكن كما يعلم معظم القراء، انتهت الحرب بهزيمة استراتيجية مذلة. فقد أجبر تدخل كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي القوى الثلاث على الانسحاب، بينما خرج عبد الناصر من الأزمة بطلاً قومياً عربياً.

    وكانت النتائج الاستراتيجية تحولية ودائمة: فقد جرى عملياً خفض مكانة بريطانيا وفرنسا من قوى عالمية إلى دول من الدرجة الثانية، حيث تقلص نفوذهما في ظل النظام الدولي الجديد الذي تقوده القوتان العظميان، وأصبحت قراراتهما الاستراتيجية مقيدة بأولويات واشنطن. لقد مثلت أزمة السويس اللحظة التي لم تغرب فيها الشمس عن الإمبراطورية البريطانية فحسب، بل غابت أيضاً عن الأحادية الأوروبية كأداة جيوسياسية فعالة.

    أعتقد أن الحرب الحالية على إيران - أياً كانت نتيجتها العملياتية - تحمل إمكانية إحداث عواقب استراتيجية عميقة ومستمرة على الهيمنة العالمية الأمريكية، وذلك لثلاثة أسباب مترابطة.

    1- الهشاشة الاستراتيجية واستنزاف القدرات العسكرية المتقدمة

    تُسرّع الحرب من معدل الاستنزاف المقلق في أكثر أنظمة الأسلحة الأمريكية تقدماً ودقة، مثل صواريخ الاعتراض باتريوت وثاد، وصواريخ توماهوك الجوالة، وصواريخ PrSM للضربات الدقيقة.

    وقد ظهرت بالفعل تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة سحبت أصولاً عسكرية من مسرح عملياتها في المحيط الهادئ لدعم العمليات ضد إيران، وهي دولة لا تُعد أصلاً من القوى العسكرية الكبرى في العالم. وما يُستهلك خلال أيام يتطلب شهوراً، بل سنوات أحيانا لتعويضه. ويراقب الخصوم الذين يتمتعون بندية أو شبه ندية هذه الديناميكية عن كثب، ويستخلصون منها استنتاجاتهم.

    لقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن هذه الهشاشة بشكل نظري. أما الحرب على إيران فتحوّلها الآن إلى عرض عملي مباشر. يكفي أن نمدّ خط الاستنتاج قليلاً: إذا كان الحفاظ على العمليات ضد إيران يضع مثل هذا الضغط على المخزونات الأمريكية وعلى نظام الردع الممتد، فماذا سيعني صراع مع الصين حول تايوان؟ أو توسع حملة روسية في أوروبا الشرقية؟

    لم تبد الولايات المتحدة بهذا القدر من التمدد الاستراتيجي حتى بعد انخراطها الطويل في العراق وأفغانستان. فمصداقية الردع الممتد لا تعتمد فقط على الالتزامات المعلنة، بقدر ما تعتمد على القدرة المرئية على تنفيذها. وهذه القدرة تبدو الآن تحت ضغط واضح.

    2- تآكل النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة في الخليج

    تهدد الحرب بتفكيك بنية النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، ومن المفارقة أن ذلك قد يحدث حتى لو انتصرت الولايات المتحدة عسكرياً. فكما يجادل الباحث مارك لينش، دول الخليج وجدت نفسها في حرب لتغيير النظام في طهران دون استشارة حقيقية، وهي تجد الآن بنيتها التحتية الحيوية مستهدفة بالضربات الإيرانية مع حماية أمريكية غير كافية.

    إن المظلة الأمنية التي ضمنت ازدهار الخليج لعقود بدت ممزقة بوضوح في صراع حاولت هذه الحكومات جاهدة منعه. وأصبح الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يُنظر إليه بشكل متزايد كمغناطيس للعداء ومصدر لمخاطر استراتيجية.

    ولا تقتصر التداعيات على الشرق الأوسط. فإذا لم يعد بالإمكان الاعتماد على واشنطن كشريك أمني موثوق ومتشاور في منطقة حافظت فيها على الهيمنة لنصف قرن، فإن الرسالة التي ستصل إلى شرق آسيا - إلى اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين - ستكون مقلقة للغاية. فانهيار مصداقية التحالفات في مسرح واحد نادراً ما يبقى محصوراً فيه.

    3- من ركيزة للاستقرار إلى عامل فوضى في أسواق الطاقة العالمية

    رغم أن الإدارات الأمريكية السابقة سمحت أحياناً بتغليب الأهداف الجيوسياسية على استقرار الأسواق، فإن الصراع الحالي يمثل حرب اختيار خيضت دون مبرر استراتيجي واضح ودون تهديد مباشر للمصالح الأمريكية الأساسية، وهو ما يأتي بعد عام شهد بالفعل تصعيداً في الرسوم الجمركية أدى إلى إبعاد شركاء تجاريين كبار.

    إن المواجهة المباشرة حول مضيق هرمز سواء نجحت الولايات المتحدة في إعادة فتحه أو تمكنت إيران من إبقائه مغلقاً، ستحدد اتجاه أسواق الطاقة على المدى القصير. لكن التداعيات الأبعد تتجاوز بكثير أسعار النفط. فإدارة ركزت سياستها للطاقة على الوقود الأحفوري، محلياً ودولياً، وفككت الدعم لمصادر الطاقة المتجددة، جعلت الولايات المتحدة مكشوفة هيكلياً أمام مثل هذه الاضطرابات.

    وفي المقابل، استثمرت الصين بكثافة في سلاسل إمداد الطاقة النظيفة، وتعمل على تقديم نفسها كشريك طاقي موثوق ومتجه نحو المستقبل، شريك لا تتعرض عروضه للاضطراب بسبب المغامرات الجيوسياسية لواشنطن.

    إن كل حلقة من الفوضى التي تسببها السياسات الأمريكية في أسواق الطاقة - في فنزويلا، والخليج، والآن إيران - تعزز تحولاً نموذجياً تعمل الصين بنشاط على ترسيخه: وهو تأمين الطاقة عبر تنويع المصادر بعيداً عن الأسواق المعرضة لتقلبات السياسة الأمريكية.

    وتملك الصين التفوق التكنولوجي وسلاسل الإمداد في أنظمة الطاقة المستقبلية، فيما تسرّع السياسات الأمريكية المتهورة انتقال شركائها نحو هذا الاتجاه. وهذه العواقب تتعدى الجانب الاقتصادي لتشمل الجوانب الجيوسياسية أيضاً.

    سويس من صنع واشنطن

    لا يعني أي من ذلك أن الولايات المتحدة ستتوقف عن كونها قوة هائلة بعد انتهاء هذا الصراع. وليس من المتصور أن تُزاح من مكانتها كقوة عظمى بالطريقة التي تراجعت بها بريطانيا وفرنسا بعد السويس. لكن أوجه التشابه تستحق الانتباه: نمط من تراجع النفوذ العالمي، وضعف التحالفات، وتآكل مصداقية الردع، والتنازل عن مساحات استراتيجية للخصوم، وهذه كلها نتائج قد تنجم عن الإفراط في التمدد الاستراتيجي وعدم حساب العواقب غير المباشرة.

    وكما لاحظت الباحثة جينيفر كافانا، فإن في قلب هذه الحرب مفارقة عميقة: ما صُمّم ليكون استعراضاً للهيمنة العسكرية الأمريكية قد يثبت، مع مرور الوقت، أنه الأداة ذاتها التي تقوّضها.

    إسلام عبد الرحمن

    إسلام عبد الرحمن

    المدير التنفيذي ومؤسس الملتقى الاستراتيجي

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *