
الاستيلاء على جوهرة التاج الإيرانية سيكون مهمة انتحارية
هاريسون مان
ضابط سابق في الجيش الأمريكي
يتردد إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس الاستيلاء على جزيرة خرج الإيرانية، التي يصفها بجوهرة التاج، لأنها تضم منشأة تعالج نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية.
بعد أن قصفت الولايات المتحدة خرج الأسبوع الماضي مع تجنب منشآتها النفطية، حثّ الصقور تجاه إيران ترامب على إتمام المهمة. فقد صاح السيناتور ليندسي غراهام قائلاً: "سيدي الرئيس: خذ جزيرة خرج، وستنتهي هذه الحرب!"، فيما طرح النائب بيت سشنز فكرة أن السيطرة على الجزيرة تمثل المهمة المثالية لوحدة مشاة البحرية البرمائية المتجهة حاليًا إلى المنطقة.
فلماذا أصبحت هذه الجزيرة حديث الساعة لدى صقور إيران؟ وماذا سيحدث إذا تحقق ما يريدونه؟
لطالما كانت جزيرة خرج ضمن حسابات مخططي البنتاغون منذ عقود. فقد درس الرئيس جيمي كارتر قصفها أو الاستيلاء عليها خلال أزمة الرهائن عام 1979، لكنه تراجع. والمفارقة أن دونالد ترامب نفسه اقترح عام 1988 الاستيلاء على خرج خلال جولته للترويج لكتاب فن الصفقة.
اليوم، عادت خرج إلى الواجهة بفضل مايكل روبين، الباحث في معهد "أمريكان إنتربرايز" والمسؤول السابق في سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق، والذي يعتبر السيطرة على الجزيرة أمرًا بديهيًا". وقد عرض الفكرة على مسؤولي البيت الأبيض.
إذا طبقنا تخطيطًا عسكريًا بسيطًا على طرح روبين، فسيكون على النحو التالي: تقوم القوات الأمريكية بالسيطرة على الجزيرة عبر إنزال جوي أو مروحي أو حتى هجوم برمائي. ومع احتجاز النفط الإيراني وحرمان الجيش والحرس الثوري من الموارد المالية، لن يكون أمام النظام الإيراني خيار سوى التفاوض على استسلامه.
تبدو فكرة خرج مصممة خصيصًا لترامب: عملية جريئة تصلح للعرض التلفزيوني تقوم على الاستيلاء على النفط، وتجمع بين ميله للاستعراض العسكري والسيطرة على الموارد الطبيعية، كما ظهر مؤخرًا في فنزويلا. والأهم، أنه بخلاف مقترحات أخرى مثل ضرب المواقع النووية، فإن "خرج" تعد بنصر كامل. كل ما عليه هو السيطرة على جزيرة أصغر من مانهاتن التي تقع جنوب برج ترامب.
لكن ذلك لن ينجح.
على المستوى الاستراتيجي، فإن منع تصدير النفط لم يعد ورقة ضغط فعالة بعد أن دخلت إيران حربًا وجودية. فقد اغتالت الولايات المتحدة وإسرائيل عشرات القادة السياسيين والعسكريين، وتدرك القيادة الإيرانية أن نتنياهو لا يسعى فقط لتغيير النظام، بل ربما لإسقاط الدولة. كما أن السعودية وإسرائيل وترامب نفسه لوّحوا بقصف خرج. فأي قائد إيراني سيقبل التخلي عن سيادة بلاده مقابل منشأة نفطية كان يتوقع أصلًا تدميرها فقط لاستعادة عائدات ستقع تحت سيطرة نظام موالٍ لترامب؟
أما فكرة إنهاء الحرب عبر قطع رواتب الجنود فهي أقرب إلى الخيال. فالجنود الذين تُقصف عائلاتهم لن يتركوا مواقعهم بسبب تأخر الرواتب. صحيح أن فقدان الإيرادات النفطية سيؤذي الاقتصاد الإيراني، لكنه يعاني أصلًا من العقوبات، وقد طورت إيران صناعة دفاعية شبه مكتفية ذاتيًا. كما يُرجح أن تستمر الصين في تزويدها بالمكونات التي لا تستطيع إنتاجها.
أما الصورة التكتيكية فهي أسوأ بكثير. بالنسبة للقوات التي ستُكلف بالمهمة، ستكون العملية بين مهمة انتحارية وأزمة رهائن من صنع الذات.
نظرًا لصغر الهدف (جزيرة بطول خمسة أميال)، ووجود عدد كبير من السكان المدنيين، والحاجة إلى السيطرة عليها لفترة غير محددة، وغياب عنصر المفاجأة، ستحتاج الولايات المتحدة إلى آلاف الجنود. ومن بين الوحدات المتاحة: وحدة من مشاة البحرية قوامها نحو 1200 جندي، ولواء جاهز من الفرقة 82 المحمولة جوًا، وفوج الرينجرز 75، ووحدات أخرى سريعة الانتشار، أو حتى كتائب من الجيش موجودة بالفعل في الكويت. نظريًا، يمتلك ترامب أكثر من 10 آلاف جندي متاحين خلال الأسابيع القادمة، رغم عدم الإعلان عن نشر هذا العدد حتى الآن.
خيارات الإنزال من الأقل إلى الأكثر قابلية للتنفيذ، هي: الإنزال البرمائي، ثم الهجوم الجوي بالمروحيات، ثم الإنزال المظلي.
تقع خرج على بعد 500 ميل خلف مضيق هرمز ونحو 15 ميلًا فقط من الساحل الإيراني. الهجوم البحري يتطلب عبور مضيق يُعد شديد الخطورة حاليًا على البحرية الأمريكية. ويمكن للقوات الإيرانية زرع الألغام واستخدام صواريخ مضادة للسفن وطائرات مسيّرة وزوارق هجومية. كما ستكون قوات الإنزال ضمن مدى الصواريخ والمدفعية.
أما الهجوم بالمروحيات، فيستجنب بعض التهديدات البحرية، لكن أي طائرة تهبط ستكون هدفًا سهلاً للصواريخ والطائرات المسيّرة والدفاعات الجوية. كما أن نقل القوة بالكامل يتطلب عدة رحلات، ما يمنح الإيرانيين وقتًا لضبط استهدافهم.
الإنزال المظلي هو الخيار الأكثر أمانًا نسبيًا، إذ تكون الطائرات أقل عرضة للمسيّرات، ويمكن للمقاتلات مرافقتها. كما أن تشتت المظليين يقلل من خطر ضربة واحدة. لكن الرياح قد تدفعهم إلى البحر أو إلى مناطق معادية.
ولا يُعرف عدد القوات الإيرانية المتبقية في الجزيرة؛ إذ يدّعي ترامب أنه دمّر جميع الأهداف العسكرية، لكن ذلك لا يستبعد وجود مخابئ تحت الأرض أو وصول تعزيزات. ومع ذلك، فإن الأهم هو وجود نحو 20 ألف مدني سيعتبرون القوات الأمريكية قوة احتلال، ما يزيد احتمالات الاحتكاك والخسائر المدنية. فهل القوات الأمريكية مستعدة لمهمة مكافحة تمرد فوق كل ذلك؟
لنفترض أن القوات الأمريكية سيطرت على الجزيرة ومنشآتها النفطية. هل انتهت المهمة؟ بالعكس، ستكون حينها محاصرة داخل مساحة صغيرة تشبه منطقة قتل، وسيكون الإخلاء شبيهًا بأسوأ مشاهد بلاك هوك في الصومال أو دنكيرك في الحرب العالمية الثانية.
القادة الإيرانيون يقاتلون من أجل بقاء النظام، لا من أجل حماية منشآت نفطية. وقد يرون في فرصة إلحاق خسائر كبيرة بالقوات الأمريكية أو احتجازها ورقة أكثر قيمة من النفط. بل قد يسمحون للقوات الأمريكية بالهبوط دون مقاومة، ثم يمنعون أي محاولة إنقاذ لاحقًا.
وإذا بدا هذا التقدير مبالغًا فيه، فيكفي النظر إلى الحوثيين، الذين تمكنوا بإمكانات أقل من استنزاف قدرات بحرية وجوية أمريكية خلال السنوات الماضية.
ولا ينبغي الافتراض أن ترامب سيتجنب الخسائر البشرية إذا اعتقد أن العملية ستجلب النصر، فقد أبدى حتى الآن عدم اكتراث بمقتل الجنود.
لكن على البيت الأبيض أن يدرك أن هذه العملية ستقود إلى تضخم المهمة. فإذا تعرضت القوات الأمريكية للخطر في "خرج"، قد يُبرر ذلك إرسال قوات إضافية إلى البر الإيراني لإنقاذها، ما يعني توسيع الحرب تدريجيًا.
ومع وضع "خرج" في دائرة الاستهداف، لم يعد سيناريو غزو أمريكي كارثي لإيران أمرًا مستبعدًا. وهذا وحده يجب أن يدفع إلى وقف الحرب فورًا. ومع ذلك، تستعد إدارة ترامب لطلب تمويل إضافي من الكونغرس قد يطيل أمد الحرب لسنوات. وسيواجه المشرعون قريبًا قرارًا مصيريًا: إما دعم هدف تغيير النظام بأي ثمن، أو رفض تمويل حرب قد تتحول إلى نسخة جديدة وأكثر كارثية من غزو العراق.
هاريسون مان
ضابط أمريكي سابق
التعليقات (0)
اترك تعليقاً
الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *