عن "إسرائيل" الثالثة

    بشار اللقيس
    بشار اللقيس
    الخميس 23 أكتوبر 2025
    عن "إسرائيل" الثالثة

    الصهيونية الخارجية: التحالف بين رأس المال والمستوطنين في إسرائيل الجديدة

    بإمكاننا عد غادي ألغازي (Gadi Algazi) واحدًا من أهم أكاديميي "ما بعد البنيوية" الإسرائيليين، مثل العديد من يساريي النقد الثقافي الإسرائيليين من أمثال أوري رام (Uri Ram) وهيلا دايان (Hilla Dayan). ويعود لألغازي الفضل في نقل مفهوم "الصهيونية الخارجية" إلى الفضاء الأكاديمي، حيث يتطلع إلى الصهيونية الخارجية باعتبارها آخر مراحل المشروع الصهيوني. فقد تخلت الصهيونية الجديدة عن ادعاءات "بناء وطن للشعب اليهودي" لصالح المشروع الرأسمالي النيوليبرالي العالمي. ويخدم هذا المشروع اليوم مصالح مجموعة من النخب المحلية والعالمية على حساب الفلسطينيين وغالبية اليهود في "إسرائيل" والعالم، وهو ما ينبغي لنا التطلع إليه جيدًا.1

    الصهيونية الخارجية: من المشروع القومي إلى الرأسمالية العالمية

    في مقاله "الصهيونية الخارجية"، يطرح ألغازي مقاربة يدعو فيها لإعادة النظر بشكل نقدي في الطبيعة الحقيقية لإسرائيل اليوم ولتأثير الرأسمالية العالمية على المشروع الصهيوني.2 يكتب ألغازي عن شركة ماتريكس (Matrix) إحدى كبريات شركات التكنولوجيا الإسرائيلية، ودورها في عمليات "التعهيد المعلوماتي". افتتحت ماتريكس قبل بضع سنوات مركزًا جديدًا للتطوير المعلوماتي في مستوطنة موديعين عيليت في الضفة الغربية تحت اسم "تلبيوت – תלפיות" (نسبةً إلى البرنامج التدريبي الخاص بعناصر القوات الإسرائيلية الذين أظهروا قدرة أكاديمية متميزة).

    وهناك استعاضت الشركة عن المبرمجين الشرق آسيويين بالعاملات اليهوديات المتشددات من نساء المستوطنة. يعمل هؤلاء النسوة بأجور متدنية في مستوطنة تحظى بدعم غير مشروط من الدولة، "ولأنّ السكان المتدينين المتنافسين على الوظائف يواجهون تكاليف معيشية منخفضة نسبيًّا، فإن ماتريكس قادرة على تقديم خدماتها المحلية للعملاء بأسعار تُضاهي تلك الموجودة في دول الشرق الأقصى، ولكن مع مزايا القرب الجغرافي والثقافي" بحسب مردخاي غوتمان، الرئيس التنفيذي لشركة ماتريكس.

    تفتح مثل هذه القضية السؤال واسعًا حول طبيعة العلاقة بين مستوطنات الضفة الغربية والنظام السياسي الإسرائيلي، كما تفتح السؤال حول طبيعة مجتمعات المستوطنين، خاصة إذا ما تنبهنا أن أغلب مستوطني موديعين عيليت هم من حسيديي ساتمار، الغور، والبيلز.

    موديعين عيليت كفضاء للاستعمار الخارجي

    بحلول عام 1993 بدأت ذروة الاستثمار الإسرائيلي في مستوطنات الضفة الغربية. استثمرت "إسرائيل" أكثر من 1.5 مليار شيكل في الإسكان والبناء والتطوير سنويًّا طوال فترة التسعينيات، وأقدمت على تخصيص ما بين 6.2% إلى 11% من مجمل موازنة وزارة الإسكان للمستوطنين سنويًا في الفترة نفسها (أُعطيَ الحريديم أيضًا خصمًا يتراوح بين 55% - 63% لاقتناء شقق في مستوطنات الضفة)، علمًا أن مجمل نسبة المستوطنين في الضفة لم تصل آنذاك إلى أكثر من 4% من مجمل سكان "إسرائيل".3

    كذلك طال الدعم جهات أخرى. فقد أعفي المقاولون في المستوطنات من 50% من نفقات التطوير اللازمة لبناء المساكن. وحتى "حومات ميغدال" (الشركة التي عملت على بناء موديعين عيليت) تمت خصخصتها لصالح شركات استثمار عقاري كبرى مثل: أفريقيا إسرائيل للاستثمارات -Africa Israel Investments Ltd، ألون بلو سكوير - Alon Blue Square، شاپير للهندسة والصناعة - Shapir Engineering and Industry، أمبا إسرائيل – Ampa Israel، أفي كابيتال – Affi Capital، دونا – Dona، وأميدار- Amidar. من المستفيد من كل هذا الإنفاق؟ البنوك الخمسة الكبرى في "إسرائيل"، وشركات التأمين الكبرى كذلك.

    التحولات البنيوية في الاقتصاد الإسرائيلي

    لفهم هذا الأمر بنحو جيد، ثمة محاضرتين لشخصيتين إسرائيليتين على قدر من الأهمية يمكن عنونتها بثلاثية: المستوطنة، الاقتصاد، والهوية في إسرائيل. الأولى يقدمها الصحافي الاقتصادي جاي رولنيك، أما الثانية فيقدمها داني غوتفين، والمحاضرتان تركّزان على التحولات البنيوية في الاقتصاد الإسرائيلي طوال حكم الليكود.4,5

    يعزو غوتفين تحولات المجتمع الإسرائيلي الراهنة اليوم، إلى خلل بنيوي قاده الليكود من لحظة وصوله إلى السلطة في أيار/مايو 1977. ففور وصوله إلى سدة الحكم، عمل الليكود على تفكيك "دولة الرفاه" لصالح سياسات نيوليبرالية قاسية، فاستهدف الهستدروت (الاتحاد العام لعمّال إسرائيل)، وعمل على تحرير سعر صرف الشيكل في الآن نفسه.

    بإمكاننا ملاحظة نتائج سياسات الليكود بعد سبعة أعوام فقط من وصوله إلى الحكم (أي في نهاية ولاية وزير المالية يغئال كوهن أورغد/ حكومة شامير، عام 1984)، عندما بلغ التضخم المالي في إسرائيل 444%، وارتفعت الفائدة من 26% إلى 57%. وفي استحواذ نخبة مالية محددة على كامل مقدرات "الدولة" وإنفاقها. فمن خلال الخصخصة مركزَت الحكومة رأس مال "الدولة" بيد عشرين عائلة إسرائيلية فقط. خمسة مصارف ومثلها من شركات التأمين أدارت كامل سياسات التسليف والاقتراض، والإغناء والفقر بنحو متوحش. أسماء من مثل شيري أريسون، إسحاق تشوفا، موزي ويرثايم، ماثيو برينفمان، إيال وعيدان عوفر (أصحاب بنوك هابوعاليم، ليؤومي، مزراحي طفحوت، فيرس إنتل بانك، بالإضافة إلى شركات التأمين: مجدال، كلال إنشورنس، هارل، فوينكس، بساغوت) صاروا يحوزون ثلثي حجم الصناديق السيادية، و40% من دخل الدولة.

    لقد ترافقت سياسات الخصخصة تلك، مع تعويم السياسات النقدية، ورفع حكومة إسحاق شامير الأولى (1983 – 1984) ثم الثانية والثالثة (1988 – 1992) موازنات التعليم الخاص بالحريديم كجماعة قطاعية بنسبة 835%. وهكذا، صار بإمكان متوسطي الدخل وقليلي التعليم والحريديم الانتقال من داخل الخط الأخضر إلى الضفة سعيًا للتخفف من الضرائب، وكسبًا لمزيد من الامتيازات، وطمعًا بعوائد القروض المالية التي سخت بها المصارف.

    التحالف الاجتماعي السياسي الجديد

    بالمختصر، لم تكن موديعين عيليت نتاجًا لمستوطنين متعصبين فحسب، بل نتاجًا لتحالف اجتماعي سياسي متنوع يجمع مطوري العقارات، والرأسمالية الصغيرة الباحثة عن فرصة سريعة للربح، والسياسيين الذين دفعوا بمشروع الاستيطان قدمًا أملًا بمزيد من أصوات الطبقات الأقل حظوة في المجتمع الإسرائيلي. وهكذا، تخادمت الاقتصاديات القطاعية (اقتصاد الجماعات التي تتوسط بين المستوطن والدولة) والهويات "الطرفانية – الدينية" في استيلاد النظام السياسي الإسرائيلي الجديد.

    لم يكن الأمر بالغ الصعوبة في التماس أثر كل تلك المتغيرات على توجهات القواعد الانتخابية، ومن خلال صعود ظاهرة أبناء الطبقة الوسطى من خريجي يشيفا تيخونيت6، أو بني عكيفا، أو هار همور.

    ومرة جديدة، وبمراجعة أواخر التسعينيات، لم يكن عصيًا على أي باحث التنبه لظاهرة "الجنرال، رجل المال، والمستوطن". فاستفادة من سياسة "الباب الدوار" (حيث ينتقل كبار المسؤولين والعسكريين بين المناصب الحكومية والمناصب في شركات القطاع الخاص)، تمركز رأس المال شيئًا فشيئًا بيد الجنرال ورجل الأعمال، أما المستوطن، فكان نقطة تقاطع الإثنين في خيالهما عن "الدولة الجديدة".7

    الحريدية والبرمجة: تحالف المفارقات

    بإمكاننا اعتبار حريدية البيلز والغور (طريقتين صوفيتين)، الحريديتين الأكثر محافظة في عالم اليهود المتصوفة اليوم. تحرّم الطريقتان اللذة، وتوليان العقل مكانة -فوق تاريخية- كبرى (بالأصل، كانت الحريدية ردًا على سؤال العقل، وموقعه من المعرفة الشهودية والقلبية بالنسبة لمعتنقيها). ونحن لن نفهم أثر ذلك على عالم المجتمع الحريدي ما لم ندخل بأنفسنا إلى عالمهم.

    للحريدية سؤال مركزي على هامش المسألة الصهيونية ويتلخص بسؤال: ما الإضافة التي يقدمها الإيمان اليهودي لمعتنقيه في هذا العالم؟ الموقف الرافض للصهيونية والسياسة لا يعفي الحريدية من مسؤوليتها في ضرورة الإجابة عن هذا السؤال.

    مؤسسات اليهود الأرثوذوكس الأميركية من مثل تسيماش دافيد، أو هيلمزلي، أو بنك كروس ريفر، ستظل عصية عن الفهم ما لم ندرك طبيعة الرابط الثقافي – السياسي بينها وبين المؤسسات الحريدية التعليمية في "إسرائيل" من مثل "كلية القدس للتكنولوجيا -Jerusalem College of Technology" (أحد أضخم المؤسسات الحريدية لتعليم العلوم الطبيعية). بإمكاننا وصف تلك العلاقة بعلاقة الخائبين من الصهيونيتين الأولى والثانية. فإذا كانت الأولى صهيونية علمانية (تتطلع لوطن للشعب اليهودي)، والثانية دينية (تتطلع لكامل السيادة على أرض إسرائيل)، فإن هذا النوع من اليهودية الجديدة مختلف بنيويًّا عن التجربتين السالفتين. الحريدية الجديدة تريد الولوج إلى عالم اليوم دون المرور بمسألة الدولة ومعارفها، وقد وجدت بالبرمجة ضالتها.

    تُجنب البرمجة الحريدي احتكاكًا بعالم لا يزيده إلا اغترابًا، وتعطيه الثقة في النظر إلى العالم كأشياء تبرئه نفسيًّا من أي تبعات أخلاقية. وعند هذه النقطة بالتحديد يتقاطع "الجنرال، برأس المال، بالحريدية الأرثوذوكسية". يتخادم رأس المال والجنرال ويتقاطع الاثنان مع الحريدي في "موديعين عيليت" وغيرها من مستوطنات الضفة الغربية، ويستثمر الثلاثة في السيطرة على ما وراء الحدود. الحريدي لا يفقد "طهرانيته" (هكذا يُشعر نفسه على الأقل)، والجنرال لا يفقد حظوته، ورأس المال لا يفقد شبقه. في "إسرائيل" الجديدة التي يطلق عليها غادي ألغازي صفة "أمة الشركات الناشئة - Start-Up Nation"، ثمة ثابت وحيد يكمن في أن الهيمنة قد صارت العابرة للحدود، قتلًا، وتشريدًا، واغترابًا، وإبادة.

    الحواشي والمصادر

    1. سبقت الصحافةُ الأكاديمية في إيراد هذا المصطلح مطلع الألفية الثالثة (بإمكاننا لحاظ هذا المصطلح في العديد من الصحف الإسرائيلية في ذلك الوقت)، كمثل هذا المقال في صحيفة هآرتس المعنوَن بـ:"موديعين عيليت: الرد الصهيوني على نقل الصناعات إلى الخارج"، روث سيناي، 19 أيلول/ سبتمبر 2005. الرابط: https://www.haaretz.com/2005-09-19/ty-article/modiin-illit-the-zionist-response-to-off-shoring/0000017f-e558-dc7e-adff-f5fdf5e10000
    2. Gadi Algazi, "Offshore Zionism", New Left Review 40, July-August 2006. https://newleftreview.org/issues/ii40/articles/gadi-algazi-offshore-zionism.pdf
    3. إمطانس شحادة وحسام جريس، دولة رفاه المستوطنين: الاقتصاد السياسي للمستوطنات، (مركز مدار، رام الله - فلسطين، 2013).
    4. محاضرة جاي رولنيك حول الاقتصاد الإسرائيلي: https://www.youtube.com/watch?v=_Rgx_z_y1bA
    5. محاضرة داني غوتفين حول التحولات البنيوية في إسرائيل: https://www.youtube.com/watch?v=PKpPyKHb40M
    6. يشيفا تيكونيت (ישיבה תיכונית): هي شبكة المدارس التي تتبع شكلًا تعليميًّا يجمع بين الدراسة الدينية (التوراتية) المكثفة، الجيمارا، والمواد الدينية، إلى جانب الدراسة الأكاديمية العامة التي تُؤهل الطالب لاجتياز شهادة البغروت، كالرياضيات، والعلوم الطبيعية، اللغة وغيرها، وبالغالب هي مدارس ممولة جزئيًّا من الحكومة. غالبية وزراء ونواب كتلة البيت اليهودي / الصهيونية الدينية هم خريجي مدارس بني عكيفا من مثل: نفتالي بينيت، وبتسلئيل سموتريتش، إيلي بن دهان.
    7. بإمكاننا التنبه للمسألة من خلال رصد أسماء أبرز الضباط الذين عملوا في مجال التقانة وشركات الهايتيك وعالم الأعمال. من مثل: أميرام ليفي (نائب رئيس الموساد الأسبق) أسس شركة ECI Telecom في مجال الاتصالات. يوفال ديسكين (رئيس جهاز الشاباك سابقًا) أسس شركة FST Biometrics للأمن الحيوي. أفي ديختر (رئيس جهاز الشاباك سابقًا): أسس شركة P2P Security للأمن السيبراني. ماتي كوخافي (لواء سابق): شارك في تأسيس شركة Check Point للأمن السيبراني. أمنون شاحاك (رئيس الأركان السابق): أسس شركة Bynet Data Communications. أفيغادور كهلاني (لواء سابق): أسس شركة G Cyberstream للأمن السيبراني. يوسي كوهين (رئيس الموساد سابقًا) صار عضو مجلس إدارة إحدى الشركات الأمنية. نمرود شيكل (لواء سابق): أسس شركة Toka للأمن السيبراني. غابي أشكنازي (رئيس الأركان السابق): انضم إلى مجال الأعمال الأمنية والاستشارية. داني ياتوم (رئيس الموساد سابقًا): أسس شركة FST Logistics. اللواء يائير كوهين (قائد سابق لشعبة الاستخبارات العسكرية - أمان) انضم إلى صندوق الاستثمار "أليغانت" (Alegant) للتكنولوجيا المالية (FinTech). اللواء موشيه كحلوني (قائد سابق للقوات الجوية الإسرائيلية) تولى رئاسة مجلس إدارة شركة إلعال (El Al). اللواء يوفال نحشونيم (قائد سابق لشعبة التخطيط في هيئة الأركان العامة): رئيس مجلس إدارة شركة إن.إس.أو (NSO Group) المتخصصة في تطوير برنامج بيغاسوس. الجنرال إيلي ماروم (القائد السابق لسلاح البحرية الإسرائيلي) شغل منصب رئيس مجلس إدارة شركة رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة.
    بشار اللقيس

    بشار اللقيس

    كاتب لبناني

    0
    العلامات:
    مقالات

    التعليقات (0)

    اترك تعليقاً

    الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *